
















اهلا الكبسولة الخامسة والأربعون
تجارتُنا بالبندورة والسمك
واجب الكاتب أن يعمل من الحبّة قبّة ومن الزبيبة خمّارة. هذه هي وظيفته ما دام قد اختار الكتابة. واجبه أن ينصت إلى الواقع اليوميّ المتهالك ليقرأه ويفهمه. وعلى هذه القراءة والفهم ينبغي أن يؤسّس موقفًا أشمل وأعمق كي يعيد تدوير الواقع على نحوٍ يرتضيه هو. وفكرة تدوير الواقع كنت قد ناقشتها مرّة مع الصديق الأديب سهيل كيوان. إذا كان الواقعُ يقدّم الشجر والحطب فالأديب يعمل منه طاولات مكتبيّة وكراتين بيض. والطاولات والكراتين نفسها حين تخرب أو تُستهلك يلتقطها أديب آخر ليعيد تدويرها من جديد ليعمل منها ورقًا للكتب وورقًا للمراحيض.. هما موقفان حقيقيّان مبتذلان جمعتهما ورتّبتهما في نسق فكريّ واحد حتى أسأل سؤالًا واحدًا: هل الطريقة التي يتاجر بها بائعو البندورة والسمك تختلف عن طريقة تعاطيهم مع الدين والتربية والأخلاق والسياسة والوطن؟!
الموقف الأول:
نداوم على شراء الخضروات والفواكه من محلّ واحد. كنّا. بعد دوامي في الجامعة عرّجت بالمحلّ لأشتري بعض حاجتنا من البندورة والخيار والبصل والتفّاح... رحّب بي الشابّ أجمل ترحيب. انتقيت واشتريت. بلغ مجموع الحساب 88.50 شاقلا كما ظهر على شاشة الميزان الإلكترونيّ. طلبت الوصل للتأكّد. لكنّ البائع طلب 90 شاقلا. أعطيته ما طلبه بالضبط. لم أجادله. وقال: أهلا وسهلا يا أستاذ! يعرفني من سنوات فنحن من زبائنه. فقلت له: لي في ذمّتك الوسيعة شاقل ونصف. سامحتك لوجه الله. لكنّك خسرت زبونًا مداومًا قديمًا، كما تعلم، فخسرتَ الدنيا. وأظنّ غيرَ جازم أنك خسرت الآخرة أيضًا بفعلتك المعيبة تلك.. "ولووو!!" مطّ كلمة "ولو" بقدر ما يسعفه نَفَسُه، ثمّ عاتبني: " كلّها شيكل ونصّ يا أستاذ. أنا فكّرت أهوَنْ لَك تدفع مبلغ עגול... الله يسامحك!". . "إن شاء الله يسامحني!" قلت له وأنا أغادر المحلّ إلى غير رجعة!
[على فكرة، حين نشرت الكبسولة الأربعين (عابر السبيل في فقه "أبو العبد") أرسل إليّ أخٌ كريم رسالةً خاصّة يعاتبني فيها على ما عملتُه ب"أبو العبد"! وظنّ أني بخلت عليه برطلين أو ثلاثة من الزيتون. وماذا سيظنّ هذا الأخ إذا قرأ هذه الكبسولة ورأى أني عملت مشكلة مع البائع على شاقل ونصف!؟]
الموقف الثاني:
كنت في مسمكة في إحدى القرى المجاورة. اشتريت 3 كيلو ممّا نحبّ من سمك بحريّ. ودفعت للبائع ثمنها كاملًا 360 شاقلًا راضيًا مرضيًّا. وبدأ العامل بتنظيف السمك وأنا أنتظر جانبًا حتى ينتهي منها. والزبائن كثر والمسمكة عامرة. الله يرزقه. فجأة دخل إلى المسمكة زبون جديد وأقبل على البائع هاشًّا باشًّا أكثرَ من السلام والكلام مع البائع. بعد السلام سأل الزبونُ البائع: "عندك طلبي؟" ردّ البائع على الفور: "آه عندي". طلب الزبون مثلي 3 كيلو من السمك نفسه الذي اشتريته أنا. صدفة غريبة قاتلة. ثمّ سأل بالعبريّة من باب الشيطنة: "قديش ال נזק؟" أجابه البائع: "منّك بكفي 300". بعد دقائق انتهى العامل من تنظيف السمك. ناولني البائع سمكاتي وقال لي: "صحتين يا عمّي!" مع ابتسامة جاهزة معلّبة، هي عدّة الشغل. فقلت له: "قلتلّي صحتين، يعني ثنتين. الصحّة الأولى بتتعلّق بالسمكات. والصحّة الثانية بتتعلّق فييّ أنا. وأنا بصراحة فقدت الشهيّة!" أدرك البائع الشابّ فجأة عاقبة فعلته وقال: "هذا الشبّ صاحبي من زمان يا عمّي!".. "الله يديم المحبّة!" قلت له، ومن يومها لم أعتب بابَ مسمكته!
وما دمنا تحدّثنا عن التدوير، بائع البندورة "دوّر" المبلغ إلى فوق وبائع السمك "دوّره" إلى تحت.. كلّ شيء حسب الظرف والمزاج!