
















اهلا نحتاجُ رابين جديدًا يا خا...بيبي
محمد علي طه
قلتَ لك منذُ سنوات إنّنا دولة "غير شكل" ونختلف عن كلّ دول العالم. معاذ الله أن نكون مثل بريطانيا الّتي صار اسم محمّد هو الاسم الأوّل بين مواليدها وليس جورج أو ادوارد، ولن نكون مثل فرنسا الّتي استسلمت لهتلر بعد أسبوع من الحرب وصار الحيّ اللّاتينيّ اليوم يعجّ بعبد الله وأحمد وحسن، ولن نكون مثل هولندا واسبانيا وبلجيكا وإيطاليا، فنحن دولة "غير شكل" وشعب "غير شكل"، وعندما حاول موشيه شاريت أن يغيّر صورة الدّولة ويخفّف من عسكرتها ولو نقطة صغيرة انتهره بن غوريون: "اسمع يا شرتوك نحن دولة شجار وقتال".
نحن دولة حرب سرمديّ فمنذ بنينا مستعمرة ملبّس ونحن نقاتل العرب جيلًا بعد جيل، حاربناهم في الأعوام 1948 و1956 و1967 و1973 و1978 و1982 وفي حرب لُبنان الثّالثة والرابعة والخامسة وحروب غزّة ذات الأسماء الّتي لا أحصاها، ناهيك عن الحروب الفراطة الّتي تقع بين الحربين مثل حربنا ضدّ الفدائيّين وحرب الاستنزاف وهكذا حتّى هذه الحرب الطويلة. نحن جئنا الى هذا الشّرق كي نحارب ونقاتل العرب، ألم تقرأ أو ألم تسمع خطاب الجنرال موشيه ديّان في رثاء روعي روطبيرغ في كيبوتس ناحل عوز في ثلاثين نيسان 1956؟ لا يوجد صهيونيّ لم يسمع هذا الخطاب التّاريخيّ أو لم يقرأه منذ ألقاه رئيس الأركان أمام ألف يهوديّ في رثاء روعي. هذا الخطاب الّذي أعجب دافيد بن غوريون والّذي يدرسه أولاد إسرائيل في المدارس كي يفهموا الموقف الاسرائيليّ الحقيقيّ من الصّراع مع الفلسطينيّين.
قال ديّان في خطابه: "لا تلقوا التّهم على القتلة. كيف نتّهم كراهيّتهم القويّة لنا وهم منذ ثماني سنوات يعيشون في مخيّمات اللّاجئين في غزّة فيما نحن نتمتّع بأراضيهم وبقراهم أمام عيونهم. علينا أن نكون مستعدّين ومسلّحين للحرب دائمًا بعد أن أخذنا مدنهم وقراهم وبيوتهم وأشجارهم وأراضيهم".
نحنُ دولة قويّة يا إلياهو. يقول البعض إنّ دولة إسرائيل عبارة عن جيش له دولة وليست دولة لها جيش. ويدنا طويلة وتصل الى طهران وأمّ درمان وتطوان والى كلّ مكان فيه عرب. لا نستطيع ان نعيش بدون حرب. هل قرأت التوراة؟ هل قرأت سفر الملوك وسفر يوشع؟ نحن شعبٌ رأسه يابس مثل حجر الصّوّان والجنرالات في دولتنا هم قادة الأحزاب وهم الوزراء والسفراء ونوّاب البرلمان الكبار. ألا ترى يا إلياهو أنّ هذه الحرب قد طالت وقد تزيد عن سنتين وعلى الرّغم من ذلك فشعب إسرائيل يعيش على كيف كيفك، ومطار بن غوريون يعجّ بالمسافرين لقضاء رحلاتهم كما أنّ المطاعم والمقاهي والملاهي في تل أبيب وهرتسليا ونتانيا وحيفا ملأى بالرّواد، والمجمّعات التجارية مزدحمة، والنّاس يأكلون ويشربون ويتمتّعون كأنّ الأمر عاديّ والدّنيا مرتاحة.
ماذا تقول يا إلياهو؟ ربّما أنّ الحقيقة معك فرابين كان عسكريًّا منذ العام 48 حينما احتلّ اللّد والرّملة وطرد العرب منهما ثمّ صار رئيسًا للأركان في حرب الأيّام السّتة الّتي انتصرنا فيها على مصر والأردنّ وسوريّا وقد بطش بالفلسطينيّين في الانتفاضة الأولى وكسّر عظامهم وأذكر أنّه قال إنّ حربنا مع الفلسطينيّين طويلة ويجب أن يُبيد طرفٌ الطّرف الآخر ولن نكون المبادين، يعني أنّه كان يقصد إبادة الفلسطينيّين كما يحدث اليوم في غزّة وجنين وطولكرم الاّ أنّ رابين تغيّر بعد تجربة صعبة ومرّة واعترف بمنظّمة التّحرير ووقّع الى اتّفاق أوسلو وصافح عرفات وانسحب من طولكرم وقلقيليّة وجنين وأريحا والخليل ورام الله وتحدّث عن دولة فلسطينيّة. أذكر أنّه قال إنّ الاسرائيليّ سوف يسافر الى نابلس أو رام الله بجواز سفر لكنّ اليمين الفاشيّ اغتاله واغتال السّلام.
هذه الحروب يا إلياهو لن تنتهي الّا بحريّة الآخر فقد قتلنا الآلاف بل عشرات الآلاف بل مئات الآلاف منهم وما زالوا يقاتلون ويطالبون بالحريّة وبالاستقلال.
زهقنا من الحرب ومن القتل ومن الجنازات. نحن نحتاج رابين جديدًا فمتى سيكون ذلك يا خا...بيبي؟