
















اهلا حيفا المخفية – يوميات مخرج
فيلم نزار حسن
مرة اخرى يبدع نزار حسن في فيلم تأريخي في التنقيب عن ذاكرة المكان وأهله ويعيد بناء أركانه بتفاصيل غير مرئية الا في ذاكرة من بقي ممن عايشوها او من اقتربوا منها لأغراض مختلفة.
في العرض الافتتاحي لفيلم "حيفا المخفية – يوميات مخرج" (قاعة سينمانا الناصرة 20/9) ينجح المخرج نزار حسن في الكشف عن حيفا المخفية باعتماده ذاكرة مَن تَذكر وأرشفة وما جمعه عدد من المشاركين والمشاركات في الفيلم من قصة معاشة. من اللافت ايضا كيف نجح نزار في ادماج شخصيات حقيقية ودونما أي تمثيل، تجعل نسيج الحكاية يتكامل.
قوة عمل نزار الابداعية هي في إحياء المدينة من خلال مسعىً مضنٍ الى ازالة طبقات الإخفاء القسري لحيفا المنكوبة، والتي ظن الصهاينة، وفقا له، انهم نجحوا بإخفائها المؤسَّس على مراكمة هذه الطبقات. فكان الاخفاء متعدد الاوجه، سواء بالهدم او بالطمس او بهندسة الشوارع الرئيسية من ركام حياة المدينة المهجّرة، او بإزالة ما فيها من معالم وأسماء، بينما كان وجه الاخفاء الاكثر قسوة هو غياب من حملوا القصة سواء ممن اصبحوا بين ليلة وضحاها لاجئين يمنعون من العودة وحسب المقولة وحتى لو عاد احدهم فلن يجد الى اين، وإن وجد الى أين سيجد المستوطن قد استملك المكان بما فيه البيت، وكذلك حقيقة ان غالبية من حملوا الذاكرة قد رحلوا ورحل معهم الكم الاكبر من الذاكرة. في الكشف عن المدينة المخفية يتحلّى المكان بمزايا غير تلك المرئية، فما تراه العين راهناً مقطعاً من شارع عريض، تجعله ذاكرة من عايشوه عام النكبة مدرسةً وحديقةً ومقهىً ودكان، ليصبح للمكان روح.
ينصف نزار شريحتين من المدينة المخفية، ينصف المرأة اذ يعتمد ذاكرتها دالّةً له في مساره، وينصف عمال الميناء والبناء وحصريا الغزازوة والحوارنة الذين بنوا المدينة وشيّدوا مرافق المدينة وقصور أغنيائها السكنية بينما كانوا يفترشون وادي روشميا والوعر كي يناموا بعيدا عن أهل المدينة وليواصلوا العمل في صباح اليوم التالي، بينما هؤلاء الاغنياء كانوا اول من هجر المدينة قبل ان يهجّروه منها كما معظم الناس. في الكشف عن المدينة المخفية يرصد نزار العلاقة بين التمايزات الطبقية والاجتماعية وبين الوفاء للمكان، لينتهي الفيلم بدمعة انكسار.
موعد العرض الافتتاحي للفيلم لتزامنه مع الثالث والعشرين من ايلول وهو تاريخ احتلال المدينة عام 1919 من قبل البريطانيين من الدولة العثمانية في العام 1919. الا ان للعرض سياق اخر معاش حاليا، فمقابل انقاذ نزار حسن وبأسلوبه مدينة حيفا المنكوبة والمخفية، فإن العيون كلها مشدوهة الى مدينة اخرى من امهات المدن وهي تباد ألا وهي غزة، وإذ لا مفاضلة بين المدن المخفية وتلك التي في طور الإخفاء، يبدو ان الراهن أكثر قساوة، فيما الدرس في الإخفاء لا يدوم حين تكون ارادة الكشف عن الرواية وحماية القصة.
شكرا للمخرج وكاتب السيناريو نزار حسن ولكل الطواقم التي ساهمت في إعادة حيفا الى حيفا.