
















اهلا مدرستي ترشيحتي – مازن سليم نحاس
على إثر النقاش الذي يدور أحيانا حول ترك طلاب من مدرسة اورط ترشيحا الى مدارس أخرى، كان لا بد لي أن أعبر برأي متواضع حول هذا الموضوع.
كأحد خريجي هذه المدرسة العريقة، دفعة 70/71 تعلمت فيها من الصف التاسع أيام كانت بعدها بجانب المدرسة الابتدائية التي هي المركز الجماهير حاليا وثم انتقلت الى البناء الجديد، بناية المدرسة الابتدائية الحالية ومن هناك تخرج فوج 70/71 المكون من صفين عدد طلابهم 63 طالبا وانا واحد منهم. لذلك فان موضوع انتقال طلاب ترشيحا من المدرسة الى مدارس أخرى هو قضية تهمني شخصيا أولا كخريج المدرسة وثانيا كابن ترشيحا أعتز بانتمائي اليها إذ ولدت وتعلمت فيها وعلَّمت فيه وكنت مديرا لمدرستها الابتدائية لحين خروجي الى التقاعد.
مدرسة ترشيحا ليست مجرد مؤسسة تعليمية عادية فقبل ان تكون مدرسة هي رمز ومعلم من معالم ورموز ترشيحا المتبقية لنا في هذه البلدة بعد ان فقدنا رموزا ومعالم كنا نفتخر بوجودها مثل البنك العربي سابقا ولؤومي لاحقا وبريد ترشيحا وغيرهم. ويكفي أن الاسم ترشيحا ما زال مرتبطا باسم المدرسة معبرا عن بقائها.
كانت المدرسة يومها بيت يجمع طلابا من عشر قرى متجاورة (ترشيحا، معليا، فسوطه، البقيعة، كفر سميع، يانوح، حرفيش، العرامشه، بيت جن، كسري) تعلمنا بروح العائلة الواحدة التي زرعت فينا القيم، ومنحتنا الأدوات لنواجه المستقبل بثقة ونجاح. هذا النسيج الاجتماعي اعطى للمدرسة صبغة فريدة من نوعها وهي قدرتها على جعلهم يتعايشون اجتماعيا بروح محبة وأخوة مع أنهم طلاب من مجتمعات وطوائف مختلفة.
رغم كل التحديات والصعوبات والتقلبات التي مرت بها المدرسة على مر السنين منذ اقامتها بسواعد وجهود أبناء ترشيحا الابرار الذين ضحوا بوقتهم وأحيانا بأموالهم من أجل إقامتها، الى ان تحولت الى ادارة البلدية ثم تنازلت البلدية وحولتها الى مؤسسة اورط. كبرت وتطورت وتأسست فيها فروع مختلفة ذات مستوى فاق أي مدارس أخرى بمجهود معلمين أكاديميين متخرجين من أحسن الجامعات.
أذكر أنه في دفعتي كان الطلاب من جميع القرى المجاورة (63 طالبا)، في حينه لم يكن نظام الفروع التعليمية قد بدأ الا انه تخرج منها الطبيب والمحامي والمهندس والمحاسب وغيره من المجالات حتى أن بعض الخريجين وصلوا الى مراكز عالمية، ومع الوقت عاد اليها بعض الخريجين كمعلمين في المدرسة التي خرجتهم لاستمرار مشوارها، والقاسم المشترك بينهم انهم فخورون بتخرجهم من هذا الصرح العظيم، مدرسة ترشيحا الثانوية،
لقد كانت سنواتي في هذه المدرسة مليئة بالدعم، المحبة، والفرص التي ساعدتني على النمو الأكاديمي الشخصي. كذلك الامر كانت لكل زملائي. ومع مر السنين أخذ عدد القرى الذي يأتي منها الطلاب يتضاءل تدريجيا لا بسبب انخفاض مستوى المدرسة وانما بسبب ان كل سلطة محلية أخذت تقيم لديها مدرسة ثانوية خاصة بها. وكان هذا تحد كبير صمدت به المدرسة واستمرت بالعطاء بكل قواها ولم يؤثر على مكانتها.
صحيح ان التحديات التي واجهت المدرسة كانت كبيرة إن كان انتقالها من لجنة محلية الى إدارة البلدية ومن ثم انتقالها الى شبكة أورط. وكذلك الامر التغير الطبيعي بكادر المعلمين نتيجة التقاعد او نتيجة الانتقال أو..أو. ولكن بقيت المدرسة صامدة تخرج أجيالا وأفواجا من الطلبة الممتازين الذين برعوا في كل المجالات التي ارتادوها.
ان انتقال المدرسة الى شبكة أورط بحاجة الى دراسة علمية لتحديد ما إذا كان الانتقال لمصلحتها أو لا. ولكن الواقع تغير والانتقال حدث والمدرسة والبلدة تعيش هذا الواقع. لا أريد أن نتباكى على الماضي ولا أريد أن انبش الأسباب وأنكش بالأحداث التي لا تعفي البلدة بإدارتها وسكانها من مسؤوليتها عما حدث. ولكن علينا أن نقبل بهذا الواقع الى حين تغييره إذا كان علينا تغييره أو إذا كان بالإمكان تغييره (بحاجة الى دراسة) ولكن ما أريد قوله إنه حتى يتم هذا، من الاجدر لنا الحفاظ على المدرسة التي هي رمز من رموز ترشيحا حتى لو أضيف اسم آخر بجانب الاسم ترشيحا – وليست المرة الأولي التي يضاف اسم أخر الى جانب اسم ترشيحا – وقبلنا به مكرهين وتعايشنا معه الى اليوم، ولكن يكفي ان اسم ترشيحا وَشْماً لا يمكن ازالته من اسم المدرسة. فهل نسهل الامر على الذين يسعون لطمس معالم ترشيحا والمدرسة أم أنه علينا أن نحافظ على هذا الإرث والمَعْلَم والصرح ليس فقط ذكرى للأجيال القادمة وانما أساسا من أسس تكوين وبقاء ترشيحا.
إن الحديث والضجة حول انتقال الطلاب من ترشيحا الى مدارس أخرى أضخم بكثير من حجم المشكلة (10 طلاب). لكن كثرة الحديث عنها يحولها مع الوقت الى كرة ثلج ويجب الحد منها. الانتقال له أسبابه ولا أريد الخوض بهذا المقال بالأسباب التي أدت بهؤلاء الطلاب، وربما الاهل، باتخاذ قرار الانتقال الى مدارس أخرى ولن أخوض بالحلول ليس لأني لا أستطيع وانما للحد من النقاش وإعطاء المجال للقيمين على التعليم من فحص المشكلة واقتراح الطرق لحلها. وهذا تحدٍ جديد أمام المدرسة والقيمين عليها مع قيادة البلد السياسية ولجان الإباء طبعا بعد دراسة اكاديمية عميقة للمسببات.
ولكن مهما كانت النتائج والأسباب لا يمكن أن يكون ترك المدرسة هو الحل الأمثل لحل المشكلة. على متخذي القرار بالانتقال الى مدارس أخرى طرح الموضوع أولا على إدارة المؤسسة والمعلمين بكل صدق وشفافية من منطلق انتماءهم الى المدرسة والبلد وطبعا من مصلحة أولادهم مستقبلا.
امتناعي عن الخوض والتعمق أولا لأني مقتنع أن الانتقال هو هروب من المواجهة وفقدان الانتماء الى البلدة والمدرسة، يمكن الادعاء ان مصلحة ابننا اهم من مصلحة المدرسة والبلدة، وهذه قناعة شخصية ولكنها نظرة غير مستقبلية لا اتفق معها لان أولاد هذا الطالب مستقبلا سيعيشون في هذه البلدة وسيتعلمون فيها ومن حقهم ان تكون مدرستهم بأحسن حال؟ وثانيا لأنني مقتنع ان بعض أسباب الانتقال ليست بالكامل مصلحة الطالب العلمية لان مستوى المدرسة ووضعها العلمي لا يقل عن مدارس أخرى.
الانتقال الى مدارس أخرى يصب في ساحة من قال يوما علنا "تعلمنا عندكم سنوات حان الوقت لتتعلموا عندنا" ولكم أن تفهموا ماذا يريد البعض لمدرسة ترشيحا.
لهذا حفاظا على مستقبلنا كبلد بُني على التعليم واسست فيه مدارس يوم ما افتقرت المنطقة برمتها الى مدارس يجب علينا الحفاظ على اهم مؤسساتنا الا وهي المدارس وكل المؤسسات الفاعلة علينا التكاثف حولها ودعمها إدارة ومعلمين ولجان آباء وحتى أهل وطلاب لتبقى المدرسة الثانوية أورط ترشيحا رائدة كما كانت وتستمر مسيرتها الناجحة للأجيال القادمة.
كونوا فخورين بمدرستكم، واثقين بأنها المكان الأمثل لبناء مستقبلكم.