
















اهلا فلسطين المتعددة الأديان: لماذا يشكّل بقاء المسيحيين ضرورة وطنية لا خيارًا؟
د. شارلي يعقوب أبو سعدى
المجتمع الفلسطيني هو مجتمع متعدد الأديان، والمسيحيون جزءٌ أصيل من نسيجه الاجتماعي والسياسي، وركنٌ أساسي من هويته التاريخية والثقافية. إلا أن العقود الأخيرة شهدت تراجعا مقلقا في أعداد المسيحيين، حتى باتوا اليوم أقل من 1% من السكان، وهو تراجع لا يهدد المسيحيين وحدهم، بل يضعف التنوع الفلسطيني ويؤثر سلبًا على صورة المجتمع وشرعية السلطة الوطنية الفلسطينية.
ورغم أن الاحتلال الإسرائيلي يبقى السبب الرئيسي لهذا النزيف، إلا أن للسلطة الوطنية الفلسطينية دورًا لا يمكن تجاهله في الحد منه. فبإمكانها، ضمن صلاحياتها، اتخاذ خطوات عملية تخفف الأعباء التي تقع بشكل خاص على المسيحيين، لا سيما في المناطق التي يعتمد اقتصادها على السياحة والتعليم والخدمات.
الحفاظ على الوجود المسيحي هو أولا واجب تجاه بقاء المواطنين عامة، وهو في الوقت نفسه تعزيز للسلطة الوطنية الفلسطينية نفسها. فهي سلطة تقوم من جهة بواجبها تجاه مواطنيها، ومن جهة أخرى تحافظ على مكونات فيها تخاطب العالم، إذ الوجود المسيحي له أهمية في نظره. والسلطة نفسها بحاجة إلى اهتمام العالم بالوجود المسيحي فيها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى حلول عملية ومستدامة، من أبرزها:
1.صون حقوق المواطن المسيحي عبر تشريعات واضحة وفعالة، تضمن المساواة والتوازن بين جميع المكوّنات الدينية والاجتماعية.
2. تعزيز سيادة القانون وحماية الممتلكات، وتسريع البت في القضايا العقارية، وتفعيل دور الشرطة، بما يعزز الاستقرار ويحدّ من الهجرة.
3. الحفاظ على التمثيل العادل للمسيحيين في البلديات والمجالس المحلية، وتعيينهم في مناصب إدارية، لترسيخ الشراكة الوطنية وتعزيز شرعية السلطة داخليًا وخارجيًا
4. الاقتصاد هو خط الدفاع الأول في مواجهة الهجرة، خاصة في بيت لحم. ويتطلب ذلك تفعيل تصنيفها كمنطقة ذات أولوية اقتصادية عبر إعفاءات ضريبية، قروض ميسّرة، ودعم السياحة والصناعات التقليدية.
5. نحو 20% من الطلبة يتعلمون في المدارس المسيحية التي تلعب دورًا محوريًا في ترسيخ الهوية وقيم العيش المشترك، ما يستدعي دعمها ماليا وتطوير بنيتها التحتية.
6. إعادة النظر في بعض المناهج المدرسية التي تتضمن تناقضات أو مضامين خاطئة تجاه المكوّن المسيحي.
7. اعتماد خطاب رسمي وإعلامي جامع يحارب التمييز الديني، ويبرز الوجود المسيحي، ويعكس حقيقة المجتمع الفلسطيني المتعدد.
8. للوجود المسيحي الفلسطيني أهمية دولية، كونه حلقة وصل مع الكنائس والمنظمات العالمية، ويمكن استثمار هذا الدور لتعزيز الدعم السياسي والمالي والثقافي.
فلسطين وطنٌ جامع لكل أبنائه. وتراجع أعداد المسيحيين لا يضرّ بمكوّن واحد، بل يضعف المجتمع الفلسطيني ككل وصورة قضيته العادلة. إن الحفاظ على المسيحيين ليس مطلبًا فئويًا، بل ضرورة وطنية تعكس التعددية الفلسطينية، وتقوي مفاهيم العيش المشترك، وتؤكد صورة فلسطين كنموذج حضاري في منطقة مضطربة.