
















اهلا لو قُدّر لكرسي القديس بطرس في روما أن يلقى مصير شقيقاته في الشرق (أورشليم، أنطاكية، الإسكندرية، والقسطنطينية)، لكان وجه المسيحية العالمية قد تغير تغيراً دراماتيكياً، ولتشكلت ملامح العالم الغربي بصورة مغايرة تماماً، تتلخص نتائجها المأساوية -من منظور الحضارة الغربية المسيحية- فيما يلي:
١. سقوط الرمزية والمكانة السيادية:
* لتحولت كاتدرائية القديس بطرس إلى نفس مصير «آيا صوفيا» !!!!
* لأضحى البابا مجرد مواطن من "أهل الذمة"، خاضعاً في تحركاته وقراراته الكنسية لفرمانات الحاكم الزمني الجديد، فاقداً لسيادته المستقلة التي مكنته من قيادة أوروبا لقرون.
٢. الانحسار الديموغراف والجغرافي:
* لانكمشت المسيحية لتصبح ديانة أقلية مضطهدة أو هامشية في أوروبا الجنوبية، ولتوقف المد التبشيري نحو الشمال؛ مما يعني أن الدول الاسكندنافية وشمال أوروبا ربما بقيت على وثنيتها لفترة أطول أو اعتنقت دين الفاتح الجديد، ولما تشكلت الهوية الأوروبية الموحدة.
٣. الانهيار اللغوي والفكري:
* لاندثرت اللغة اللاتينية، التي كانت لغة العلم والدين والدبلوماسية في العصور الوسطى وعصر النهضة. وبدلاً من أن تكون الجسر الذي حفظ تراث الأقدمين، كانت ستحل محلها لغة المحتل، مما يؤدي إلى قطيعة معرفية مع التراث الروماني واليوناني الذي حفظته الأديرة.
٤. غياب العمالقة الروحانيين والمصلحين:
* لما بزغ نجم قامات روحية غيرت وجه الإنسانية، فلا وجود للقديس فرنسيس الأسيزي ودعوته للفقر والسلام، ولا للقديس أنطونيوس البدواني، ولا للقديس دومينيك ومحاربته للهرطقات بالعقل.
* لخلا التاريخ من "المعلم الملائكي" توما الأكويني، الذي وفق بين الفلسفة الأرسطية واللاهوت المسيحي، مؤسساً المدرسة السكولاستية التي بني عليها الفكر الغربي.
* لما ظهرت مؤسسات الخدمة الاجتماعية الجبارة التي أسسها أمثال القديس منصور دي بول (شفيع العمل الخيري) أو يوحنا دي لاسال (رائد التعليم الحديث).
٥. فراغ مؤسسي: لا مدارس ولا مستشفيات:
* إن مفهوم المستشفى بشكله الخيري المنظم، ومفهوم المدارس المجانية للفقراء، نبعا من رحم المؤسسات الكنسية والرهبانية. وبسقوط الكنيسة الحرة، كانت هذه المؤسسات ستغيب أو تتخذ شكلاً مغايراً تماماً لا يمت للرحمة المسيحية بصلة.
٦. غياب الجامعة الغربية (Alma Mater):
* لو سقطت روما الكاثوليكية، لما وجدت جامعة Sorbonne، ولا Poitiers و لا Montpellier ولا Heidelberg و لا Aberdeen الخ .... فهذه الصروح قامت بمرسوم بابوي أو برعاية كنسية لتخريج رجال الدين والقانون والإداريين، ومنها انطلقت شعلة التنوير.
٧. عزلة العالم الجديد وآسيا:
* لما وصل اسم يسوع المسيح إلى الأمريكتين، ولا إلى الفلبين، ولا إلى اليابان عبر القديس فرنسيس كزافييه. فحركة الكشوف الجغرافية كانت مدعومة ومباركة من البابوية، والبعثات التبشيرية كانت ترافق المستكشفين، مما يعني بقاء تلك القارات في عزلة دينية عن المسيحية.
٨ - لو حدث هذا الاحتلال، لنتجت عنه خسائر حضارية إضافية هائلة:
* ضياع التقويم العالمي (التقويم الغريغوري):
نحن اليوم نؤرخ للأيام بناءً على "التقويم الغريغوري" الذي أصدره البابا غريغوريوس الثالث عشر عام 1582م لتصحيح الزمن. لو كانت روما محتلة، لما امتلك البابا السلطة العلمية والسياسية لفرض هذا التقويم الذي يسير عليه العالم بأسره اليوم، وربما كنا نعيش في فوضى زمنية أو نتبع تقويماً قمرياً.
* وأد عصر النهضة الفنية والمعمارية:
كانت الكنيسة الكاثوليكية هي "الراعي الأول" للفنون (Patron of Arts). بدون بابوات روما المستقلين (مثل يوليوس الثاني):
* لما رُسمت جداريات مايكل أنجلو في كنيسة سيستين.
* لما رأينا روائع رافائيل وبرنيني.
* لغابت الموسيقى الكلاسيكية الغربية التي تطورت من "الترنيم الغريغوري" ومن ابتكار الرهبان للنوتة الموسيقية (مثل غويدو الأريتسي).
* غياب القانون الدولي وحقوق الإنسان:
علماء اللاهوت الكاثوليك في "مدرسة سالامانكا" (مثل فرانسيسكو دي فيتوريا) هم من وضعوا بذور القانون الدولي وحقوق الشعوب الأصلية (أثناء اكتشاف الأمريكتين). بدون السلطة الأخلاقية للكنيسة المستقلة التي ناقشت هذه القضايا، كان الفكر القانوني الحديث سيتأخر قروناً.
* تراجع العلم التجريبي:
كثير من العلماء كانوا رهباناً أو مدعومين من الكنيسة (مثل كوبرنيكوس، وغريغور مندل مؤسس علم الوراثة و كل العلماء اليسوعيين).
سقوط الهيكل الكنسي كان سيعني تشتت هذه العقول وغياب الحاضنة التي وفرت لهم الوقت والموارد للبحث العلمي تحت مظلة "البحث عن نظام الخالق في الطبيعة".
باختصار: لو سقط كرسي روما مثلما حدث لكراسي الشرق الرسولية، لكانت أوروبا قد فقدت "عمودها الفقري" الثقافي والروحي، ولما تشكلت "الحضارة الغربية" كما نعرفها اليوم، بل لكانت مجرد ولايات تابعة لدين آخر، بلا هوية دينية موحدة، وبلا تراث فني أو علمي متميز.
"و أبواب الجحيم لن تقوى عليها". آمين.