
















اهلا 58 عاما لرحيل القائد الشيوعي فؤاد خوري ( ابو جابر)
كنت في عمر العاشرة ، الابن التاسع لعائلة مكونة من ١٢ نفس نعيش في "عقد" واحد بحي العرقية خلف ساحة المطران في الناصرة، حيث تعمقت معرفتي باسماء واشخاص كان الناس يحبونهم من القلب ، ولقبوهم " الشوعية".
كانت اول ذكرياتي مع مصطلح "الشوعيه" بعمر الرابعة عندما اقتحمت قوات الحكم العسكري بيتنا ( العقد) وعبثوا به خرابا، في مظاهرات اول ايار ١٩٥٨، والسبب لهذا الاقتحام، التفتيش عن " الشوعيية اللي واجهوا الجيش والشرطة في انتفاضة ايار ١٩٥٨ . عندها لم اكن اعرف علي من يتحدثون ومن هم هؤلاء الشيوعيين.
بدأت أسأل الاسئلة الصعبة " من هم هؤلاء الشيوعيين"؟؟ ولماذا يعملون لهم الف حساب.
في الفترة بين ١٩٥٨ وحتى ١٩٦١ تشكلت لدي صورة اوضح حول الشيوعيين، كنت شاهدا على مظاهرات الشيوعيين ضد مقتل الشبان الخمسة على الحدود عام ١٩٦١، وتظاهرات ضد الحكم العسكري، وشاهدت العديد من الشعارات المرسومة على حيطان ازقة البلدة القديمة " ليسقط الحكم العسكري" ورافق ذلك العديد من خطابات جمال عبد الناصر النارية في ذلك الوقت. وكل الناس في الناصرة يتحدثون عن الشيوعيين وشجاعتهم وتضحياتهم بمواجهة سياسة الحكم العسكري. بهذه الفترة بدأت اسمع كثيرا باسم " ابو جابر" الشيوعي والذي تبين لي بعد ذلك انه هو هو فؤاد خوري.
اذكر مرة ان رايت عشرات رجال الشرطة تقتحم بيتا من جيراننا ، بيت إم رزق عبدو، وكانت اسئلتهم المتكررة : أين رزق ، اين رزق ، واين تخبئينه، سنعلمه درسا هو ومن يرسله مؤكدين عل اسم" ابو جابر"...
فزاد فضولي لمعرفة من يكون " ابو جابر" ،
حتى انني ذهبت مرة لبيت الاب سمعان نصار، ويبعد بيته عن بيتنا مائة متر، وكنت أعرف انه شريف وقيل لي ان اخيه هو فؤاد نصار المقاوم الشيوعي الذي وجد نفسة خلف الحدود في نكبة ١٩٤٨، وسألته: لماذا يخشون من الشيوعيين ومن " ابو جابر " بالذات؟؟ فنظر الي مترددا ومرتبكا وقال: "هم يخافون الشرفاء"! وفهمت الرسالة.
وارتفع شغفي بالتعرف على هذه الشخصية حتى سمعت من ابناء عائلة ام بشارة عبود وبيتها يبعد عن بيتنا خمسون مترا ، سمعت من ابنائها بشارة ونعيم وطوني، أن الشرطة تفتش عن ابي جابر ، حيث يتنقل في الاشهر الاخيرة من بيت الى بيت لانهم يلاحقونه ويريدون تسليمه أمر بالاقامة الجبرية. عندها تحول اسم فؤاد خوري لا يفارق مخيلتي.
لا اذكر تحديدا، ولكن في الفترة بين ١٩٦٤- ١٩٦٥، كنت في طريقي لدكان ابو زعكور ( ابو سنة) في السوق لاشتري زلابية، وكان يتقن كثيرا توصيفة سحرية للزلابية، وفي طريقي في سوق العرايس في البلد القديمة، وعندما مررت من دكان " الشيتي" للملابس حيث كنا نشتري ملابسنا (دين عالدفتر) وقبل ان اصل الى محل خليل خوري ( ابو فرح) واختيه هناء خوري زريق وايفون خوري، وكنا نعرفه لما له من فضل على كثير من عائلات البلدة القديمة لانه كان يقدم للعائلات المستورة مساعدات ماليه دون ضجيج، وعائلتي كانت احد هذه العائلات.
هناك، واذا بميمعة وتراكض وتجمع لاصحاب المحلات في السوق امام دكان ابوفرح، وسمعتهم يتناقلون الوشوشة: ابوجابر يود زيارة السوق ليحيي سكانه واصحاب المصالح فيه وفهمت انه رئيس الكتلة الشيوعية في بلدية الناصرة منذ الانتخابات الاولى عام ١٩٥٤.
انعجقت كتيرا وقلت لنفسي هذه المناسبة لن تعود ثانية، وكانت لحظه فارقة عندما رايت بأم عيني فؤاد خوري، محاطا بهاله من اشخاص يتقدمون نحوه ، واسنطعت ان احدد لاحقا ان من بينهم كان نجيب الفاهوم ( ابو الشعب) وحسين ابو اسعد( ابو عادل) وصبحي السروجي ( ابو عاطف) وفؤاد حمدان حاج يحيى ( ابو السعيد)، وتقدم العمال والشباب والنساء لطرح السلام واستمعت لمرأة متقدمة في السن من احدى القرى المجاورة تقول : " الله ينصركو يا شوعية" . عندها انغلقت الدائرة عندي وبدأت اشعر نفسي منحازا لهذا الطريق.
المجموعة المرافقة لابي جابر كبرت وانضم اليهم آخرين، وصولا الى دكان الزلابية، واذا بابي زعكور يدعو ابو جابر " تعال دوق هالزلابية ابو جابر"، ليواصل المرحوم خليل خوري قبل ان يجيب ابو جابر قائلا:" اسمع عزيزي، كل سدر الزلابية عحسابي" داعيا المارة لاكل الحلوى ، وكنت صاحب النصيب بالحصول على ٣ حبات زلابية وليس واحدة. وهكذا لم يبق زلابية لاشتريها للعائلة، ولكن حققت حلما كبيرا. واخيرا رأيت ابو جابر !!
ومنذ تلك اللحظة لم التق ابو جابر ولا حتى مرة واحدة، حتي في ذات يوم قبل ٥٨ عاما ، عندما نادى المنادي، "ابو جابر مات"، ولبست الناصرة لباس الحداد، وبحارتنا العرقية كان الحداد يشمل كل بيت.
ابو جابر لم يكن قصة شخص شجاع وملهم فقط، وانما بالاساس قصة شعب مقاوم يتوق للحرية والانعتاق من الظلم.
فسلام لك وسلام عليك.. وسلام لروحك الطاهرة وتراثك المنتصر!