
















اهلا ليست الحياةُ منبعَ السعادة كما تخيّلنا صغارًا، بل الإنسان هو من يصوغها من فتات أيامه، ويزرعها إن استطاع في أرضٍ كثيرًا ما تكون قاسية. كنا نركض خلف أحلامنا بقلوبٍ بريئة، نؤمن أن الغد صفحة بيضاء، وأن النوايا الطيّبة تكفي لتجعل العلاقات مزهرة، وأنّ العطاء لا بدّ أن يُقابَل بعطاءٍ مثله أو بابتسامة امتنانٍ. كنا نردّد بثقةٍ تشبه البراءة "على نيّاتكم تُرزقون"، ونمضي مطمئنين أنّ الطريق مستقيم ما دمنا صادقين، وأنّ العالم مهما اتّسع لا يضيق على قلبٍ نقيّ طاهرٍ.
لكنّ الحياة حين كشفت وجهها الآخر لم تكن كما رسمناها ولم تكن مفروشة بالورود بل امتلأت بالعقبات وتعثّرت فيها الخطى وتبدّلت فيها الوجوه. كبرنا فاكتشفنا أنّ بعض من يأخذ يعتقد أنّه واجب على الآخر وليس اختيار فلا يفكّر في ردّ الجميل أو حتّى كلمة امتنان ، وأنّ من منحناهم قلوبنا قد لا يمنحوننا سوى كلماتٍ باردة لا معنى لها .كبرنا فرأينا الصداقة تتحوّل عند البعض إلى مصلحة، والمودّة تُختزل في ميزان الربح والخسارة، حتى باتت العلاقات في كثير من الأحيان رهينة "الأنا" لا مساحة فيها للتنازل أو الإصغاء.
كبرنا أكثر فاكتشفنا أنّ الخيبات لا تأتي دائمًا من الغرباء، بل قد تسكن أقرب الدوائر إلينا. وأنّ أكثر ما يؤلم ليس فقدان الأشخاص بل فقدان الصورة التي رسمناها لهم في داخلنا. تلك الصورة التي كانت أكبر من حقيقتهم وأنقى من واقعهم، فحين تسقط لا تسقط وحدها بل تجرّ معها شيئًا من براءتنا، شيئًا من ثقتنا، وربما شيئًا من قدرتنا على البدء من جديد.
ولأنّنا بشر نحاول في كل مرة أن نفهم لماذا تغيّر الناس؟ لماذا صار العطاء مشروطًا؟ ولماذا أصبحت العلاقات تُقاس بما تقدّمه لا بما تشعر به؟ لعلّ الإجابة لا تكمن في الآخرين وحدهم بل في طبيعة هذا العصر الذي أسرع بنا حتى فقدنا توازننا. عصرٌ تتقدّم فيه المادة على المعنى وتعلو فيه المظاهر على الجوهر ويُختصر فيه الإنسان بما يملك لا بما هو عليه.
في زحام هذا التحوّل تراجعت مساحات الحوار، وضاقت مسالك التفاهم، وحلّ مكانها العناد ثم الهجر وربما القطيعة، لا بين الأصدقاء فحسب بل أحيانًا داخل البيت الواحد صار الصمت لغة، والابتعاد حلًّا وكأنّ القلوب لم تعد تتّسع للاختلاف أو لم تعد تملك صبر الإصغاء. وكأنّنا نسينا أن العلاقات لا تُبنى على التشابه فقط بل على القدرة على الاحتواء وعلى تقبّل الآخر كما هو لا كما نريد له أن يكون.
ومع كل ذلك لم يكن هذا النّضج الذي وصلنا إليه خاليًا من الفائدة فقد علّمتنا التجارب أن نرى بوضوح وأن نميّز بين من يبقى ومن يمرّ، بين من يمنح ومن يستنزف، بين من يشاركنا الطريق ومن يثقل خطواتنا. علّمتنا أن الطيبة لا تعني أن نكون بلا حدود وأنّ العطاء لا يعني أن نُفرغ أنفسنا حتى الفراغ. علّمتنا أن نضع مسافةً صحيّة بين قلوبنا وكل ما يؤذيها، دون أن نغلق أبوابها بالكامل.
وربما أجمل ما في هذه الرحلة رغم قسوتها أنّها أعادتنا إلى أنفسنا فجعلتنا نبحث عن السعادة في أماكن لم نكن نلتفت إليها في لحظة هدوء، في كلمة صادقة، في إنجاز صغير، في دعاءٍ خفيّ في قلبٍ لا يزال قادرًا على العطاء رغم كل ما مرّ به. أدركنا أن السعادة ليست حدثًا كبيرًا ننتظره بل تفاصيل صغيرة نصنعها ونحافظ عليها ونحميها من ضجيج الخارج.
إنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في أن نجد عالمًا مثاليًا بل في أن نبقى إنسانيين في عالمٍ يختبر إنسانيتنا كل يوم. وأن نُحافظ على قيمنا دون أن ننكسر وأن نُمسك بقلوبنا دون أن نُقيدها وأن نستمر في المحاولة دون أن نفقد إيماننا بالكامل. فليس المطلوب أن نكون ملائكة ولا أن نثق بالجميع، بل أن نكون واعين بما يكفي لنختار وأقوياء بما يكفي لنكمل الطريق.
وفي النهاية قد لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى براءته الأولى، ولا أن نُصلح كل ما انكسر حولنا، لكننا نستطيع أن نُعيد تعريف علاقتنا بالحياة وأن نُدرك أنّ الخيبات ليست نهاية الطريق بل إشارات تعلّمنا أين نضع أقدامنا ومع من نسير. وأن نفهم أنّ القيمة الحقيقية ليست في عدد من حولنا بل في صدق من يبقى وفي سلامنا الداخلي حين نكون صادقين مع أنفسنا.
فلنحاول رغم كل شيء أن نكون أولئك الذين كنّا نبحث عنهم في الآخرين وأن نكون الصدق في زمن التلوّن والوفاء، في زمن التبدّل والرحمة في زمن القسوة. فربما لن نغيّر العالم لكننا بالتأكيد سنغيّر التجربة التي نعيشها فيه وربما دون أن نشعر سنصبح سببًا في أن يؤمن شخصٌ آخر أنّ الخير لا يزال ممكنًا، وأنّ السعادة ليست كاملة ولكنّها يمكن أن تُولد من جديد، طالما في في قلوبنا يُزرع الأمل ويمكث نور التفاؤل بغدٍ أجمل.