
















اهلا حين يصبح الانقسام طريقة حياة…
رانية مرجية
لم يعد الفلسطيني في الداخل يخسر معاركه فقط أمام الخارج، بل أمام شيء أخطر بكثير: اعتياد الانقسام. ذلك الانقسام الذي لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل تحوّل تدريجيًا إلى نمط حياة، وإلى طريقة تفكير، وإلى ثقافة تُدار بها السياسة وكأنها غاية لا وسيلة.
في لحظة ما، فقدت السياسة معناها الأول: أن تكون أداة لحماية الناس، لا ساحة دائمة لإعادة إنتاج الخلاف بينهم. وبات السؤال البسيط الذي يطرحه الشارع أكثر صدقًا من كل الخطابات: ماذا تغيّر في حياتنا فعلًا؟
في شوارع الداخل، لا تحتاج السياسة إلى نظريات كي تُختبر، يكفي أن تسير في حيّ يعيش تحت ضغط العنف اليومي، أو أن تسمع أمًا تختصر كل الجدل السياسي بسؤال واحد: كيف أضمن أن يعود ابني حيًّا؟ هناك، تتراجع الشعارات، ويتقدّم الواقع بكل ثقله الخام، بلا تجميل ولا تأويل.
لكن الخطاب السياسي ما زال، في كثير من حالاته، عالقًا في منطق قديم: منطق التمثيل قبل التأثير، والشعار قبل الفعل، والموقع قبل المعنى. وهكذا تتآكل الفكرة الكبرى تحت ضغط التفاصيل الصغيرة، وتتحول السياسة من مشروع جماعي إلى تنافس على الحضور والرمزية.
لقد أظهرت لحظات الوحدة، حين تَشكّلت، أن الصوت الفلسطيني في الداخل يمكن أن يكون مختلفًا حين يتكلم بصيغة واحدة. لم يكن الأمر مجرد أرقام في انتخابات، بل لحظة كشفت أن التوحّد يربك معادلات اعتادت على التفكيك والتجزئة.
لكن تلك اللحظة لم تُستكمل. لا فقط بسبب اختلاف طبيعي في الرؤى، بل بسبب ميل أعمق إلى تقديم الذات على الفكرة، والحزب على المشروع، والموقع على المعنى. وهكذا عاد الانقسام ليأخذ مكانه كأنه الأصل، وكأن أي محاولة للخروج منه استثناء مؤقت سرعان ما يُعاد امتصاصه داخل الدائرة نفسها.
الشارع في المقابل تغيّر. جيل جديد ينظر إلى السياسة بلا قداسة، ولا يمنح الخطاب وزنًا إلا بقدر ما يلمسه في الواقع. لا يقيس الكلمات، بل يقيس النتائج. وهذا الجيل لا ينتظر تفسيرًا طويلًا للهزيمة، بل ينتظر مسؤولية واضحة عنها.
وفي هذا التباعد بين السياسة والحياة، تتسع الهوة أكثر: خطاب يتحدث عن “القضية”، وواقع يتآكل في الأمن والاقتصاد والكرامة اليومية.
هنا يصبح السؤال أكثر قسوة من أي وقت مضى: هل ما زال الاختلاف اختلافًا طبيعيًا، أم أنه تحوّل إلى بنية تعطل القدرة على الفعل أصلًا؟
الوحدة، إذا أُريد لها أن تكون ذات معنى، ليست تحالفًا انتخابيًا عابرًا، ولا تسوية بين أطراف متباعدة، بل إعادة تعريف كاملة لدور السياسة نفسها: أن تعود إلى وظيفتها الأساسية، أي حماية الناس وصناعة أفق لهم، لا إدارة خلاف دائم حولهم.
الفلسطيني في الداخل لا يواجه أزمة واحدة، بل تراكم أزمات تتداخل: عنف، تمييز، ضيق اقتصادي، وشعور متزايد بأن الفعل السياسي لا يوازي حجم الخطر.
وفي مثل هذا السياق، لا يعود الانقسام مجرد خيار سياسي، بل عبئًا على الفكرة نفسها، وعلى قدرة المجتمع على الاستمرار دون أن يستهلك ذاته من الداخل.
إما أن تعود السياسة إلى معناها الأول…
أو سنكتشف متأخرين أن الانقسام لم يكن خلافًا على الطريق، بل كان الطريق نفسه، يقودنا بهدوء إلى خارج المعنى كله