















اهلا- بقلم د. جوني منصور رحل رجل الكلمة والمواقف
"سنسير معا في قافلة واحدة حتى نصل إلى الهدف"، بهذه العبارة افتتح كلمتي الوداعية في رحيل المطران بطرس المعلم. حيث أنني كنت اسمع عنه كثيرا في جلسات عائلية ومجتمعية منذ سنوات السبعينيات. ولكني تعرفت الى فكره من خلال مقالاته التي كان ينشرها في مجلة المسرة الصادرة عن الرهبنة البولسية ببيروت التي شاءت الاقدار ان اشتركت فيها لفترة طويلة بالرغم من ندرة وصعوبة وصولها إلى الوطن، وأيضا لما تحمله هذه المجلة من فكر مستنير وتوجه منفتح على المجتمعات المتعددة التي تشكل الخارطة البشرية لمنطقتنا ذات التاريخ الضارب في عمق الزمن.
وسأورد هنا عددا من المواقف التي تبين مكنونات شخصية هذا الاسقف(المطران) وكيف تعرفت على فكره واكتشفته مباشرة.
كان اللقاء المباشر الأول معه فور انتخابه اسقفا – مطرانا على ابرشية عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل لطائفة الروم الملكيين الكاثوليك في 1998. حيث توجهت إلى مكتبه برفقة أخي المرحوم الاستاذ حسين اغبارية مدير عام جمعية التطوير الاجتماعي في حيفا لننسق معه حفل اطلاق اسم المطران غريغوريوس حجّار على أحد شوارع المدينة. وكانت عملية مصادقة المجلس البلدي على تسمية الشارع عبارة عن طريق آلام سلكناه بدعم سخي من الدكتور حاتم خوري نائب مدير عام بلدية حيفا في التسعينيات. وتمت المصادقة وبدأت البلدية تضغط من اجل تنظيم الحفل، إلا أننا ضغطنا من جهتنا لتأجيله قليلا ريثما يصل المطران المعلم. وطبعا، لمن يتذكر أن حكومة اسرائيل في حينه تلكأت في الاعتراف به مطرانا على أبرشيته لدواعي تبينت لاحقا أنها سياسية. إلا أن الضغوط الدبلوماسية التي فعلهتا دولة الفاتيكان دفعت الحكومة الى الرضوخ وقبول التعيين. عندها، قررنا في الجمعية وبالتنسيق مع د. خوري على جعل حفل اطلاق الاسم على الشارع هدية من حيفا لسيادة المطران المعلم. اخبرناه بالقرار واظهر سروره، واستفسر عن بعض الامور المظهرية والجوهرية تساعده في وضع كلمة بالمناسبة. وفعلا، أتت كلمته وهو القادم حديثا من الخارج، في صلب أهمية تخليد اسماء كبار الشخصيات على شوارع المدينة كجزء من حفظ الذاكرة وبعض من الاحترام لمن خدم هذه المدينة والمنطقة برمتها. وجرى تخليد اسم الحجّار على احد شوارع حي عباس، وهو الشارع الذي يربط بين عباس وستيلا مارس ويشرف على بحر المدينة.
أما الحادثة الثانية فقد جرت في احد ايام صيف عام 2000 حينما دعى المطران المعلم عددا من الأشخاص الى مكتبه في حيفا لترتيب تشكيلة الوفد المرافق له لحضور مؤتمر حول المسيحيين العرب في المنطقة، وذلك في القصر الثقافي الملكي في عمان تحت رعاية الملك عبدالله بن الحسين. وأوضح من البداية أن حضورنا لن يكون إضافة أو تتمة لعدد أو لشكل مظهري، وإنما لطرح قضايا المسيحيين العرب الفلسطينيين في الداخل. ووصلنا إلى عمان ونزلنا في أحد فنادقها بدعوة كريمة من المملكة. ومباشرة دعانا المطران إلى غرفته لاجتماع تبادل الافكار والمواضيع. وقال لنا بصريح العبارة أنه لم يجهز كلمته لأنه مصر على ان نشاركه فيها. وفعلا كنا في حيرة من أمرنا لأننا نعرف ان المطران المعلم سيد المنابر وخطيب مفوه وصاحب قدرة مثيرة للاعجاب في اللغة العربية. كان جوابه أنه سيتكلم بكلماتنا نحن أبناء الوطن بعيدا عن الانشاء والبلاغة، والتركيز على الشواغل والهموم التي نعيشها في وطننا في ظل ظروف سياسية غير طبيعية. وكان احد المواضيع التي تشغله مسألة الهجرة المسيحية الفلسطينية في اعقاب نشر كتاب رصين عن هذا الموضوع عن مركز اللقاء في بيت لحم، وفيه فصل رصين وضعه الدكتور حاتم خوري سيقدم فقرات منه في محاضرة في المؤتمر الذي دعا إليه الملك عبدالله بن الحسين. ولاقت كلمة المطران المعلم وقعا ايجابيا وواقعيا لأنه نقل مشاعر واحاسيس ووقائع الحياة التي يعيشها ابناء الوطن.
اما الحادثة الثالثة التي اخترتها فهي ذات علاقة قريبة بيننا من خلال مشاركاته في مؤتمرات مركز اللقاء التي كان ينظمها المرحوم د. جريس سعد خوري في بيت لحم. وهنا تحديدا اكتشفت في العمق تواضع المطران المعلم وسعة علمه ومعرفته في اللاهوت المسيحي وفوق كل ذلك اهتمامه الكبير في تعزيز اللحمة بين ابناء الشعب الواحد على قاعدة قيمة الانسان التي تفوق بل تسبق اي انتماء ديني او قومي او عرقي.
عندما بلغ مسامعي خبر رحيله إلى دنيا الحق بعد رحلة طويلة، استعرضت شريطا من الذاكرة عن علاقتي معه ومعرفتي به، فتبين لي في نهايته أن انسان هذا الوطن صاحب حق في الوجود والحياة. وأن وجوده مرتبط بإخوة له يشاركونه نفس الاحاسيس والمصير والتطلع نحو المستقبل بالرغم من العوائق والعراقيل التي تقف في وجهه.
وتعرفت الى مزيد من شخصيته من خلال مشاركته الفعالة في مناسبات اجتماعية وانسانية كثيرة في عدد كبير من قرى وطننا، حيث كان يشدد على اواصر الاخوة بين مكونات مجتمعنا. ولم تفته مناسبة دينية او اجتماعية إلا وشارك فيها مظهرا محبته ودعوته إلى الالتفاف حول قيمة الانسان.
عرف الراحل كيف يجمع حوله ابناء مجتمعه ويخفف من همومهم ومشاكلهم. وعرف كيف يوقف نزيف الخلافات الداخلية التي عصفت بكنيسته جراء إدارات معوجة للأوقاف والممتلكات، دون توفير حلول براقة وخاطفة بسبب تراكمها في الأساس.
رحل المطران المعلم تاركا خلفه إرثا كنسيا ومجتمعيا ووطنيا كبيرا، وفوق كل هذه إرثا قيميا أبرز مكانة ودور الانسان بالرغم من القهر والقمع.
رحم الله المطران بطرس المعلم وابقى ذكره مؤبدًا.