
















اهلا الكبسولة السادسة والثمانون
هل المفاضلة بين الكذب والجفاسة صعبة؟!
ما كدت أجلس لأكبسل شيئًا عن الكلام الكاذب والجعجعة الفارغة واللغة المبحبحة حتّى زعق المنادي وهو يطوف البلد بالمايكروفون: "أهالي قريتنا الكرام، ندعوكم غدًا لتناول طعام العشاء رجالا ونساءً...". هذا موضوع استهلكتُه ولم أعد أطيق الكتابة فيه لأنّه يرفع ضغطي. لكنّه الآن جاء على الوجع بالضبط. في كابول حسب حساباتي 18000 نسمة تخمينًا. ونسبة المدعوّين والمدعوّات من الرجال والنساء البالغين البالغات ثلثان. ولو افترضنا أنّ كلّ ثلاثة منهم يأكلون كيلو من الهبر السخن على الأقلّ، معنى ذلك أنّ صاحب العرس يحتاج إلى أربعة آلاف كيلو من اللحم، أي ما يعادل عشرين ثورًا مجرومًا، حتّى يُعشّي 12000 من الرجال والنساء! وكيف إذًا يدعو كلّ هذا العدد من الناس وهو لم يذبح إلا عجلين اشتراهما بالدين؟!
في عزاء خالي صالح، رحمه الله، جلس الرجل جنبي ودعا علينا بالموت، هكذا من الباب إلى الطاقة، من حيث لا يدري: "إن شاء الله بكون أبو علي خاتمة أحزانكو يا أستاذ!" والرجل بسيط قصده خير. لكنّ اللغة لم تطاوعه! ما قاله هذا الرجل ليس له إلّا معنى واحد ووحيد، الدعاء علينا بالموت، لأنّ أحزاننا وأحزانه هو لن تُختم إلّا في حالة واحدة، إذا متنا كلّنا مرّة واحدة ميتةً لا يعقبها موت!
كنت قبل أسبوع في مساق للدراسات العليا في الجامعة أتحدّث عن تفاعلات اللغة التداوليّة مع السياقات. وقلت إنّ في كلامنا شيئًا من كذب. وحدّثتهم عن حادثتين الأولى قبل فترة قصيرة والثانية قبل أربعة وعشرين عامًا للمقارنة والمفاضلة.. قبل فترة قريبة دخلنا، زوجتي وأنا، إلى محلّ أثاث وسألنا عن طاولة مطبخ، فقال البائع وابتسامته من الأذن إلى الأذن: "أهلا وسهلا يا عمّي.. كلّ الطاولات على حسابك.. المحلّ محلّك". صارت عندي محلّات كثيرة! كلّ متجر مثل هذا أزوره يسجّله صاحبه باسمي! المهمّ أنّنا اخترنا طاولة وأعطانا سعرًا. وقلت بيني وبين نفسي هي فرصة حتّى أمتحنه فسألته: "هل هذا آخر كلام؟" كان هذا السؤال وحده كافيًا حتّى تمّحي الابتسامة ويحلف الرجل أغلظ الأيمان بأنّ هذا السعر أقلّ من رأس مالها.. فقلت له: "يا رجل! استكثرت عليّ السؤال ونسيت إنّك قبل لحظات نقلت كلّ الطاولات على حسابي وسجّلت ملكيّة المحلّ كلّه على إسمي؟!" بُهت الرجل.. بُهت وتذبذب!
وقبل 24 عامًا بالضبط، ذهبنا لنشتري طاولة مطبخ من أحد المتاجر في ضواحي لندن. كانت هناك طاولات كثيرة اخترنا منها واحدة تلائم حاجتنا. فقلت للبائعة، وكانت سيدة قد تقدّمت بها السنّ، "سنأخذ هذه الطاولة من فضلك (We’ll take this one, please)". فقالت باستغراب لا يخلو من جفاسة: "ماذا تقصد بكلمة "تأخذ"؟! ادفع ثمنها ثمّ "خذ" ما شئت!!" لا أزلّ بحرف! بغتتني هذه السيّدة. لم تسمح لي بشيءٍ من مجازٍ تُتيحه اللغة الإنجليزيّة التداوليّة نفسها! انبخستُ وقتها!