
















اهلا في فلسطين، الطالب لا يذهب إلى المدرسة ليتعلم… بل ليُستنزف. بقلم: المهندس غسان جابر نحن لا نملك نظامًا تعليميًا ينتج المعرفة، بل ماكينة ضخمة لإنتاج القلق، والخوف، والحفظ، والطاعة، وشهادات معلقة على جدران البطالة. الطالب الفلسطيني اليوم يدرس أكثر من معظم طلاب العالم العربي، وربما يحفظ أكثر، ويسهر أكثر، ويتعرض لضغط نفسي أكبر… لكنه في النهاية يخرج بعقل مرهق لا بعقل حر، وبذاكرة مكتظة لا بشخصية قادرة على التفكير. لقد تحول التعليم في الضفة الغربية إلى سباق نجاة جماعي، لا علاقة له بالمعرفة. الكل يركض نحو “التوجيهي” وكأنه معركة وجود، بينما السؤال الحقيقي الذي لا يجرؤ أحد على طرحه هو: نحن ننتج طلابًا يعرفون كيف يجيبون… لكنهم لا يعرفون كيف يسألون. الطالب الفلسطيني يستطيع أن يحفظ عشرات الصفحات في ليلة واحدة، لكنه غالبًا لا يتعلم كيف يناقش فكرة، أو يشكك بمعلومة، أو يبني رأيًا مستقلًا. حتى مفهوم النجاح نفسه أصبح مشوهًا. المدارس لم تعد تبني الإنسان، بل تدير عملية فرز جماعي للعلامات. أما الطالب… فقد تحول إلى مشروع إنهاك دائم. يدرس في ظل اقتحامات، وحواجز، وأزمة اقتصادية، وانهيار سياسي، وخوف عائلي من المستقبل، ثم نطالبه أن يكون “متفوقًا” نفسيًا وعقليًا وكأن شيئًا لا يحدث حوله. والأخطر من ذلك كله أن التعليم الفلسطيني بدأ يفقد روحه الوطنية والثقافية أيضًا. صرنا نُخرّج أجيالًا تعرف قوانين الفيزياء… لكنها لا تعرف نفسها. ثم نتساءل لاحقًا: لأننا ببساطة خلقنا نموذجًا تعليميًا يقيس قيمة الإنسان بورقة علامات، لا بقدرته على التفكير. الاحتلال يسرق الأرض… نعم. ولهذا فإن أخطر سؤال يجب أن يُطرح اليوم ليس: بل: م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
وهناك فرق هائل بين الاثنين.
العائلة خائفة.
الطالب خائف.
المدرسة خائفة.
وحتى المعلم نفسه أصبح أسير نظام لا يؤمن به.
ماذا يتبقى داخل الطالب بعد كل هذا الركض؟
وهذه أخطر كارثة يمكن أن تصيب أي مجتمع.
لأن النظام كله قائم على فكرة واحدة:
“لا تفكر كثيرًا… فقط احفظ وانجح.”
النجاح اليوم ليس أن تصبح مثقفًا أو مبدعًا أو صاحب مشروع أو عقل نقدي، بل أن تحصل على معدل مرتفع، ثم شهادة جامعية، ثم تدخل طابور الانتظار الكبير:
انتظار وظيفة، أو هجرة، أو معجزة اقتصادية.
والجامعات في كثير من الأحيان لم تعد مصانع معرفة، بل أسواق أقساط ورسوم ووعود مؤجلة.
قديمًا كانت المدرسة تُنتج الوعي، والانتماء، والشخصية، والقدرة على الخطابة والحوار والمواجهة.
اليوم يجلس الطالب ساعات طويلة أمام مواد مكدسة، بينما تتآكل قدرته على القراءة الحرة، والتفكير الحر، وحتى الحلم الحر.
تعرف كيف تحل الامتحان… لكنها لا تعرف كيف تواجه الحياة.
لماذا يهاجر الشباب؟
لماذا يختفي الإبداع؟
لماذا يخاف الجيل من المبادرة؟
ولماذا أصبح كثير من الطلاب يتعاملون مع التعليم كعبء نفسي لا كرحلة اكتشاف؟
لكن الأنظمة التعليمية الفاشلة قادرة أيضًا على سرقة العقل ببطء، ودون ضجيج.
كم يدرس الطالب الفلسطيني؟
كم بقي داخله من الشغف بعد كل هذا الخراب؟
...