
















اهلا-زياد حلبي من إسقاط النظام إلى فتح هرمز؟!!
انتقلت المنطقة خلال أيام قليلة من الحديث عن ضربة وشيكة لإيران، إلى حديث عن اتفاق يقترب وهذا يدعو للاستغراب. من لغة “الحسم” و”تغيير الشرق الأوسط”، إلى وقف إطلاق نار مؤقت، وفتح هرمز، وتعهدات إيرانية فضفاضة بعدم إنتاج قنبلة نووية. انتقال بدا في إسرائيل أقرب إلى الصدمة منه إلى التسوية.
ففي الحسابات الإسرائيلية، الحرب لم تبدأ من أجل هدنة لشهرين، ولا من أجل وعود بالتفاوض لاحقًا. بدأت على أساس أن لحظة الاختناق الإيراني قد حانت، وأن الضربة الكبرى ستقود إلى تفكيك المشروع النووي والبالستي معًا، وربما إلى إضعاف النظام نفسه حد اسقاطه . لكن المسودة المتداولة تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: الولايات المتحدة تدفع نقدًا، وإيران تدفع بالتقسيط المريح يقولون في اسرائيل .
ترامب يريد اليوم إعادة هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب. وهنا تحديدًا ظهر الخلل الأكبر في التخطيط الأميركي. فإغلاق المضيق خلط الحسابات كلها، وحوّل الحرب من مشروع لإعادة رسم المنطقة إلى تهديد مباشر للاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة اي حول هُرمز الى سلاح استراتيجي بيد طهران . لذلك تغيّرت الأولويات في واشنطن سريعًا: لم يعد السؤال كيف تُهزم إيران، بل كيف يُفتح هرمز مجددًا، وتعود الملاحة والتدفقات النفطية إلى طبيعتها، ويُحتوى الارتباك الاقتصادي قبل أن يتحول إلى أزمة عالمية.
وإذا تم توقيع الاتفاق فعلًا، فقد يكون الرابح الأكبر منه موسكو وبكين. فالصين التي تعتمد على استقرار الطاقة، وروسيا التي ترى في إنهاك النفوذ الأميركي مكسبًا استراتيجيًا، ستخرجان بصورة المنتصر الهادئ من أزمة كادت تشعل الاقتصاد العالمي. أما الخسارة الأكبر فقد تكون من نصيب الولايات المتحدة نفسها، التي ستبدو أمام خصومها كقوة يمكن ابتزازها عبر الطاقة والممرات البحرية.
لهذا تبدو البنود المسرّبة صادمة للإسرائيليين ولا تصدق . النظام الإيراني بقي. البرنامج النووي لم يُحسم. الصواريخ البالستية خارج البحث. حزب الله باقٍ أيضًا مع حديث عن وقف حرب لبنان إذا التزم الطرفان. وحتى الملف النووي نفسه تحوّل من مطلب التفكيك الكامل إلى مجرد تعهد إيراني بعدم إنتاج قنبلة، مع مفاوضات مفتوحة حول التخصيب ومخزون اليورانيوم العالي.
في نظر إسرائيل، هذه ليست عودة إلى المربع الأول، بل انتقال إلى مرحلة أخطر. إيران خرجت من الحرب أكثر تشددًا، وأكثر اقتناعًا بأن تحمل الضربات والرهان على الوقت ينتج تنازلات أميركية. والمفارقة الصادمة في تل أبيب أن اغتيال خامنئي، بدل أن يقود إلى انهيار النظام، قد يترك إسرائيل أمام “خامنئي آخر” أصغر بثلاثين عامًا تقريبًا وأكثر تشدداً، بعد ان انتقل المشهد إلى مجتبى خامنئي. أي أن الحرب التي كان يفترض أن تُنهي التهديد الإيراني، قد تكون منحت النظام قدرة على إعادة إنتاج نفسه وقد يفاجئ بانتقال سري الى سلاح نووي لمنع تكرار الحروب دورياً على ايران.
لكن هل حقًا جرى تهميش إسرائيل كما توحي التسريبات والغضب الإسرائيلي على ستيف ويتكوف؟ يصعب تصديق أن نتنياهو فوجئ بالكامل بمسار بهذا الحجم، أو أن واشنطن ستعيد صياغة المشهد الإقليمي من دون تفاهمات عميقة مع تل أبيب. لذلك يبدو احتمال آخر حاضرًا بقوة: هدنة مؤقتة لا أكثر. استراحة لخفض التوتر، واحتواء أزمة الطاقة، وتمرير الصيف الأميركي والمونديال ، ثم العودة إلى التصعيد في الخريف إذا فشل المسار السياسي أو استنفد غرضه.
هذا السيناريو قد يناسب ترامب الذي يريد صورة الرجل الذي أعاد فتح هرمز ومنع الانهيار الاقتصادي العالمي، لكنه قد يناسب نتنياهو أيضًا وربما اكثر . فحرب جديدة على إيران بعد أشهر، وربما محاولة اغتيال مجتبى خامنئي هذه المرة، قد تعني إبقاء إسرائيل في حالة طوارئ مفتوحة تسمح بتأجيل أو تعطيل أي انتخابات مبكرة، وإعادة تجميع الداخل الإسرائيلي خلف معركة وجودية طويلة. فالحروب الطويلة لا تؤجل الحسم فقط، بل تؤجل صناديق الاقتراع أيضًا.
في الشرق الأوسط، كثيرًا ما تكون الهدنات مجرد وقت لإعادة تذخير البنادق لا لإلقائها، وإعادة تنظيم الحرب لا إنهائها.