
















اهلا **الأطباء العرب ليسوا تهديداً، بل هم مورد ذو قيمة عالية**
**بقلم: البروفيسور رياض أغبارية**
*بروفيسور في كلية العلوم الصحية بجامعة بئر السبع في النقب، ومؤسس مشروع "براعم الطب في النقب"*
**صحيفة "هآرتس" | 13 حزيران 2026**
إن العائق الذي يواجه الطلبة البدو في طريقهم نحو التعليم العالي لا يقتصر ضرره عليهم وحدهم، بل يمتد ليصيب المجتمع المحلي بأسره. تخيلوا شابة بدوية نشأت في قرية غير معترف بها، حيث إمدادات الكهرباء والمياه غير منتظمة، وشبكة الإنترنت شبه معدومة؛ ثم يُطلب منها في مقابلات القبول الإجابة عن أسئلة تتعلق بخبرات وتجارب حياتية لم تكن لديها أي فرصة لاكتسابها. إن خبرتها الحياتية تتلخص في خمس غنمات وخمسة إخوة صغار، وحتى لو تمكنت بمعجزة من القبول لدراسة الطب، فإنها تفتقر تماماً إلى البنية التحتية الأساسية للدراسة.
هذا ليس سيناريو خيالياً، بل هو واقع تعيشه الشابات البدوية يومياً، لدرجة أن معظمهن لا يحاولن التقديم أصلاً. أما الشبان البدو الذين تجرأوا على الحلم وأنهوا دراستهم الطبية بالفعل، فبدلاً من أن يرتدوا المآزر البيضاء لينقذوا الأرواح في مستشفيات تئن تحت وطأة النقص الحاد في القوى البشرية، يجدون أنفسهم يستيقظون في الخامسة صباحاً للعمل في ورش البناء.
وفقاً لمعطيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تقبع إسرائيل في الثلث السفلي للدول المتقدمة من حيث عدد الأطباء لكل ألف نسمة. ورغم ذلك، وفي الوقت الذي تتضاعف فيه طوابير الانتظار للقاء الأطباء الأخصائيين، فإن هناك نحو **5,000 طبيبة وطبيب من المجتمع العربي** قد اجتازوا امتحانات الترخيص وفترة التدريب (الستاج) بنجاح، لكنهم يظلون عاطلين عن العمل ومقصيين عن المنظومة بسبب غياب وظائف التخصص (التكانيم). لقد اضطر معظم هؤلاء للدراسة في الخارج بتكلفة ناهزت **700 ألف شيكل للطالب الواحد**، بعد أن أُغلقت الأبواب في وجوههم محلياً. إن المجتمع العربي، الذي تعيش 39% من عائلاته تحت خط الفقر، قد ضخ من جيبه الخاص ثروات طائلة لتأهيل كوادر طبية لدولة ترفض تشغيلهم.
إن الحالتين معاً — الشابة التي تحرم من الدراسة، والطبيب الذي أنهى دراسته ويُمنع من التوظيف — تتغذيان من نفس الخلل البنيوي الأساسي. فعند بوابة الدخول، يبرز نظام تصنيف وغربلة يرتدي عباءة "الحياد"، لكنه في الواقع يقيس "السيرة الذاتية" لشرائح معينة، وليس سيرتهم هم. تفترض منظومة التصنيف أن المتقدم للطب تقف خلفه سنوات من العمل المأجور، أو الخدمة العسكرية أو المدنية، أو مهارات الإدارة والإرشاد. إن شاباً نشأ في المركز، وخدم في الجيش في موقع قيادي وعمل لعام أو عامين، سيستدعي الأمثلة ويجيب عن الأسئلة دون أدنى جهد. ولكن، ما الذي يمكن لشابة بدوية أو درزية أن تقوله وهي التي لم تكن يوماً رئيسة فرقة في حركات الشبيبة أو مسؤولة وردية في مقهى؟ فضلاً عن أن الكثيرات منهن يتزوجن في سن مبكرة، وكل عام يضيع هو بمثابة تنازل قسري عن الحلم. هكذا تتحول أسئلة "بريئة" حول كيفية حل نزاع في العمل إلى مصفاة عرقية، جندرية، واقتصادية، لا تفحص الإمكانيات الكامنة بل تقيس الامتيازات الحياتية.
والإحباط الأكبر يكمن في أن المجتمع المحلي هو من يدفع الثمن الإنساني الباهظ؛ فالعديد من النساء البدوية يصلن إلى مرحلة تشخيص سرطان الثدي وعنق الرحم في مراحل متأخرة ومهددة للحياة، بنسب تفوق بكثير النساء اليهوديات. ويعود ذلك إلى أنه في ظل مجتمع محافظ وتقليدي، قد تتردد المرأة في إجراء الفحوصات المبكرة إذا كان الطبيب الفاحص رجلاً. إن وجود طبيبة من نفس البيئة والمجتمع، تتقن اللغة وتفهم العادات والتقاليد، يمثل في كثير من الأحيان الحد الفاصل بين التشخيص المبكر والوفاة. هذه القيمة الجوهرية لا يقيسها أي اختبار تصنيف، ببساطة لأن أحداً لا يسأل عنها.
يعمل في النقب اليوم نحو 1,100 طبيب بدوي، لكن من بينهم **70 طبيبة فقط**. وثلثا هؤلاء الطبيبات اضطررن للدراسة في الخارج أو في مناطق السلطة الفلسطينية، وتظل فرص حصولهن على تخصصات في المجالات التنافسية ضئيلة للغاية. هكذا تكتمل الحلقة المفرغة: قلة قليلة تُقبل للدراسة في البلاد، ومن تنجح في انتزاع الشهادة من الخارج، تُحظر وتُعرقل عند عودتها. إن سياسات "التفضيل المصحح" (التمييز الإيجابي) أو التسهيلات الموضعية المؤقتة لن تنصف هؤلاء الطبيبات، بل إن الأمر يتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً.
لقد أدركت الدول الغربية الديمقراطية أن اختبارات التصنيف الموحدة تبنى على عدم المساواة وتقوم بتكريسه. لذلك، فإن الحل لا يكمن في ترقيع محلي تقوم به كل كلية طب على حدة عبر إبداء مرونة شكلية في شروط القبول، بل في خطوة استراتيجية على مستوى الدولة. أولاً، إطلاق مشروع مشترك يضم كافة كليات الطب، يضع لنفسه هدفاً معلناً بسد النقص الحاد في الطبيبات البدوية، الدرزية، والحريدية. ثانياً، إصلاح طرفي المعادلة: عند المنبع (القبول)، عبر تشكيل لجان مقابلات بشرية مخصصة وموجهة للأقليات والمجموعات التي لم تملك أي فرصة لتجميع "الخبرات الحياتية التقليدية"؛ وعند المصب (التخرج)، عبر خلق وظائف تخصص وملاك طبي في العيادات الجماهيرية والمجتمع، والتوقف فوراً عن رؤية آلاف الأطباء العرب كتهديد، والبدء في التعامل معهم كـ **مورد وطني وإنساني لا يُقدر بثمن**.
إن المساواة الحقيقية لا تعني إخضاع الجميع لاختبار موحد مع تجاهل تام لنقطة الانطلاق؛ بل تعني الملاءمة الفردية لكل إنسان بناءً على البيئة والظروف التي نشأ فيها. إن الدولة التي تدعي الديمقراطية ملزمة بضمان الحقوق الأساسية لجميع مواطنيها، وعلى رأسها الحق في الصحة. وطالما أنها تمنع المتقدمة العربية عند بوابة الدخول، وترسل الطبيب المؤهل إلى ورشة البناء عند التخرج، فإنها تفرط بصحة الآلاف وتبدد مليارات الشواكل.