
















اهلا-ناضل حسنين تعالوا معي الى حقل الألغام..!
يقف المؤمن دائماً أمام سؤال يثير حيرته: إذا كان "القضاء والقدر" قد حدد كل تفاصيل حياتنا مسبقاً، فما فائدة سعينا في الدنيا؟ وما معنى أن نبذل الجهد لنغير حالنا، إذا كان كل شيء قد كتب في "اللوح المحفوظ" قبل أن نولد؟
خذ مثلاً ذلك الحديث النبوي الشهير "اعقلها وتوكل". إنه يضعنا أمام مفارقة منطقية. فلو قدر الله للناقة أن تهرب، فهل سيمنعها رباطها من ذلك؟ ولو قدر لها أن تبقى، ألا يعني هذا أنها ستبقى سواء ربطناها أم لا؟ نحن هنا أمام معضلة حقيقية: هل ما نفعله هو ما يصنع النتيجة، أم أن النتيجة قدر محتوم سلفًا ولا دخل لجهدنا فيها؟
هذا التساؤل نعيشه يومياً، فكيف لمن يؤمن بأن كل شيء بيد الله، أن يتلفت يميناً ويساراً بحذر قبل ان يعبر الشارع؟ ألا يعني هذا الحذر، من ناحية المنطق، أننا نحاول تجنب القدر الذي كتبه الله لنا؟ إذا كان قدرنا النجاة، فسننجو، وإذا كان قدرنا ان نتعرض لحادث، فهل حذرنا سيحمينا؟ كيف لمن آمن بحتمية القدر أن يحذر من حوادث السير، وكأن الحذر يملك سلطة على المكتوب؟ أهي غشاوة القلب، أم هي محاولة يائسة لنفي الحتمية؟
من هنا يمتد الأمر حتى يصل "الدعاء". فالدعاء بمثابة ذلك الخيط الذي يربطنا بالخالق. حين نرفع أيدينا بالدعاء ونطلب تغيير حالنا من الفقر إلى الرخاء، أو من المرض إلى التعافي، ألا يعني هذا أننا نطلب من الله "تعديل" مشيئته؟ وهل الله بحاجة لأن نذكره بما نحتاجه؟ وهو العليم بذات الصدور؟ ثم، أليس في طلبنا هذا نوع من عدم الرضا عما قدر الله لنا؟
وقد يتبادر إلى ذهن الكثيرين هنا قولُه تعالى: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ"، وهو استشهاد يحمل في طياته إجابة لا تنهي السؤال، بل تزيده عمقًا. فإذا كان الدعاء أمراً إلهياً مأموراً به، فهل يعني هذا أن الاستجابة هي "تغيير" لما كان قدراً، أم أن الدعاء نفسه كان جزءاً من القدر وهو مضمر ليغير النتيجة؟ وهل نعبد الله لأننا نأمل في تبديل مشيئته، أم لأننا نأمل في أن نكون ضمن مشيئته التي اختارت لنا الخير؟
إن هذا الجدال، الذي تتلفع به حياتنا من المهد إلى اللحد، ليس ترفاً فكرياً. انه محاولة لفك اشتباك المنطق مع الموروث، وتفكيك "ناموس الوجود" الذي نحياه. فليكن نقاشنا موضوعياً، هادئاً، يبتعد عن الشخصنة وتبادل التهم. فنحن هنا لا نفتي، نحن فقط نحاول أن نفهم كيف نخطو في حقل الألغام هذا دون أن نفجر المعنى.