
















اهلا-ناضل حسنين أنا أعارض النهج.. لا الهدف
لست ضد أن يسعى أي حزب عربي إلى تحصيل حقوق المواطنين العرب في هذه البلاد، ولست ضد أن يستخدم النواب العرب كل ما لديهم من قوة سياسية وبرلمانية لانتزاع الميزانيات، وإقامة المستشفيات، وتحسين البنى التحتية، ومحاربة الجريمة، وتوفير فرص العمل والتعليم والسكن. بل إنني أرى أن هذه من أهم المهمات التي انتخب ممثلو الجمهور من أجلها.
لكن خلافي الجوهري مع "الموحدة" يبدأ من السؤال: بأي ثمن؟ فالحقوق ليست بضاعة، والمواطنة ليست صفقة تجارية، ومصالح مجتمع كامل لا يجوز أن توضع على طاولة المفاوضات ليقال لنا: خذوا بعض الميزانيات، وادفعوا مقابلها من حقوقكم وثوابتكم وقضاياكم الجماعية.
الميزانيات التي تحصل عليها البلدات العربية ليست مِنّة من أحد. إنها أموال عامة، والمواطن العربي يساهم في خزينة الدولة ويدفع الضرائب مثل غيره، ومن حقه أن يحصل على حصته منها دون أن يطالبونه بتقديم أوراق اعتماد سياسية، أو التنازل عن قضية وطنية، أو التصويت لمصلحة قانون يمس أبناء شعبه.
ولو كانت المؤسسة الحاكمة تتعامل معنا على أساس المساواة الحقيقية، لما احتجنا أصلًا إلى مقايضة حقوقنا الأساسية بمواقف سياسية. ولذلك، فإن المشكلة ليست في تحصيل الميزانيات، بل في تحويل ما هو حق أصيل لنا إلى "إنجاز" نحصل عليه مقابل ثمن سياسي قد يكون أفدح بكثير من قيمة ما نحصل عليه. هنا يكمن اعتراضي على نهج "الموحدة".
فحين يجري التعامل مع قانون "منع لمّ الشمل" بمنطق الصفقة السياسية، فإن الضرر لا ينتهي بانتهاء التصويت. إذ تستطيع إسرائيل لاحقًا أن تقول لمن ينتقد القانون: إذا كان ممثلون عن الجمهور المتضرر منه قد وافقوا عليه أو ساهموا في تمريره، فلماذا يعترض الآخرون؟ وهكذا يتحول موقف سياسي عابر إلى غطاء يمنح سياسة تمييزية شرعية يصعب انتزاعها لاحقًا.
والأمر نفسه ينطبق على رفض إقامة مستشفى في بلدة عربية، وعلى تخليد ذكرى بن غوريون في مقابل رفض تخليد ذكرى مجزرة كفر قاسم، وعلى رفض تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في سلوك الشرطة وطريقة تعاملها مع الجريمة المستشرية في مجتمعنا وغيرها العديد من التنازلات.
هذه ليست قضايا تخص "الموحدة" وحدها، وليست ملكًا لنوابها أو ناخبيها. إنها قضايا مجتمع كامل، ولا يملك أي حزب تفويضًا بأن يضعها على طاولة المقايضة وفق حساباته الائتلافية. فالميزانية يمكن أن تأتي اليوم وتذهب غدًا، ويمكن زيادتها أو تقليصها بقرار حكومي آخر. أما التنازل السياسي الذي يتحول إلى سابقة، فقد يبقى معنا سنوات طويلة.
أنا لا أعارض السياسة الواقعية، ولا أؤمن بأن على النواب العرب الجلوس على مقاعد المعارضة والصراخ من بعيد إلى الأبد. فالسياسة تقوم بطبيعتها على التفاوض والمساومة، ومن حق ممثلي الجمهور أن يفاوضوا على توزيع الموارد والميزانيات، وأن يبحثوا عن تسويات في القضايا الإدارية بما يخدم مجتمعهم. لكن ما أرفضه هو أن تمتد هذه المساومات إلى حقوقنا الأساسية وثوابتنا وقضايانا الجماعية. فلا يجوز أن تصبح ذاكرة شعب، أو حقوق عائلات، أو مواجهة سياسة تمييزية، أوراقًا تفاوضية تقدمها "الموحدة" مقابل ميزانية أو مكسب ائتلافي. هنا ينتهي التفاوض المشروع وتبدأ، في رأيي، المقايضة المرفوضة.
أما القوة الانتخابية التي يستند إليها هذا النهج، فهي، في رأيي، خليط من القاعدة التقليدية للحركة الإسلامية الجنوبية، وناخبين يبحثون عن التقارب مع المؤسسة الحاكمة أملًا في تحقيق مصالح عملية، وآخرين سئموا الأحزاب العربية التقليدية ويبحثون عن بديل، إضافة إلى من يرون في نهج "الموحدة" طريقًا مختصرًا إلى الحلول السريعة والنتائج الملموسة.
لكن عدد المقاعد لا يحسم صواب النهج. فالخطر الأكبر ليس في صفقة واحدة، ولا في تصويت واحد، بل في تكريس قاعدة سياسية جديدة مفادها أن حقوق المواطنين العرب ليست حقوقًا أصيلة، وإنما مكافآت يحصلون عليها مقابل "حسن السلوك" السياسي. وهذه، بالنسبة إليّ، معادلة مرفوضة من أساسها.
من حقنا أن نحصل على الميزانيات لأننا مواطنون، ومن حق بلداتنا أن تحصل على المستشفيات والبنى التحتية، ومن حقنا أن نطالب الشرطة بحمايتنا ومحاسبتها على تقصيرها، ومن حقنا أن نحافظ على ذاكرتنا الجماعية، ومن حق العائلات أن تعيش معًا دون أن تتحول حياتها إلى ورقة في لعبة الحسابات السياسية.
هذه حقوق لا تحتاج إلى سمسار، ولا يجوز أن يكون ثمن الحصول عليها هو التخلي عن حق آخر. لذلك، فإن اعتراضي على "الموحدة" ليس اعتراضًا على المطالبة بحقوق المواطنين العرب، بل على النهج الذي يحول هذه الحقوق إلى صفقة. وليس خلافًا على ضرورة التأثير، بل على معنى هذا التأثير، إن وجد، وحدوده وثمنه.
يمكن أن نخسر ميزانية ونعود فنطالب بها، ويمكن أن يسقط مشروع فنناضل من أجل إقامته من جديد، ويمكن أن تتغير حكومة فنطالب الحكومة التالية بما حرمونا منه. لكن بعض التنازلات السياسية، حين تتحول إلى سوابق وشرعيات ومواقف مسجلة باسم ممثلي المجتمع العربي، لا يمكن محوها بسهولة.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: ماذا حصلنا اليوم؟ بل: ماذا دفعنا مقابله؟ ومن خوّل "الموحدة" بأن تدفع الثمن من رصيدنا جميعًا؟