
















اهلا (مادة ثقيلة)
بين رام الله والطيبة.. مقولة خبيثة !
مخطئ من يظن أن مطالبنا، نحن العرب في هذه البلاد، يمكن اختزالها في حدود الحقوق المدنية وتعبيد الشوارع، ومخطئ أكثر من يعتقد أن الطريق إلى استيفاء هذه الحقوق يمر عبر إشاحة الوجه عن قضيتنا الوطنية والتخلي عن هويتنا الفلسطينية.
إننا أصحاب حق أصيل، وأصل مشكلتنا يكمن في حقيقة جوهرية لا يمكن القفز عنها: نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، ونعيش في دولة تخوض صراعاً ممتداً مع هذا الشعب منذ أكثر من سبعة عقود، وهي حقيقة تفرض نفسها على تفاصيل حياتنا اليومية كافة.
وتتجاوز الأزمة الحقيقية لمجتمعنا اليوم حدود الصراع التقليدي حول الخدمات والميزانيات، لتلامس تحولاً بنيوياً خطيراً في وعينا الفردي والجمعي، حيث جرى الترويج لعملية تفكيك متدرجة نقلتنا من الفكر القومي الجامع إلى حالة من "الأسرلة البطيئة" والمبطنة.
وتعتمد هذه السياسة على تحويل اهتمام المواطن العربي بالكامل نحو شؤونه اليومية المباشرة، وتدفعه بعيداً عن ملامسة السبب الجوهري لمعاناته والتمييز الذي يتعرض له، والمتمثل في كون السلطات الإسرائيلية لا تزال تنظر إلينا، في العمق، باعتبارنا طابوراً خامساً وعنصراً يحاذي الجانب الآخر من الصراع.
وفي هذا السياق، يتسلل الخطاب السياسي الإسرائيلي عبر ترويج مقولة خبيثة ومضللة لشارعنا العربي مفادها: "لماذا يدافع نوابكم عن قضايا رام الله بينما يعاني شارعكم من العتمة والإهمال؟". إن الخبث في هذا الطرح لا ينبع من حرصٍ على إنارة الحارة العربية، بل هو عرض صريح لمقايضة تطلب منا ترك الثوابت القومية جانباً مقابل التفاوض على حقوق خدمية مجردة. وهذه مغالطة أساسية تفترض، زوراً، وجود تعارض بين الاهتمام بحقوق ابن رام الله والاهتمام بحقوق ابن الطيبة والناصرة وحيفا.
إن انزلاق قطاعات من مجتمعنا خلف هذا الطرح يخدم، بصورة مباشرة، نهج المؤسسة الرسمية التي تسعى للتعامل معنا كأفراد يطالبون بتحسين ظروف حياتهم المعيشية، لا كأقلية قومية ذات حقوق سياسية وتاريخية.
والأخطر في هذا التحول هو دفع المواطن لتجاهل أصل التمييز العنصري الذي يتعرض له. فالتمييز ليس مجرد خلل إداري في توزيع الميزانيات، بل هو نتيجة مباشرة للرؤية الأمنية التي تحكم علاقة الدولة بالمواطن العربي وتجعله رهينة دائمة للصراع، بصرف النظر عن حجم اندماجه أو التزامه بالقوانين.
إن المطالبة بإنهاء الاحتلال والتطلع إلى حل العقدة القومية ليس شأناً خارجياً ولا رفاهية سياسية ننشغل بها عن حارتنا، بل هو المدخل الأساسي لتفكيك نظرة المؤسسة التي ترانا امتداداً للطرف الآخر في النزاع. فالنائب في الكنيست ليس موظف خدمات أو رئيس بلدية ليقتصر دوره على متابعة تعبيد الشوارع، كما أن المواطنة الحقة ليست صفقة تجارية يشترط فيها التخلي عن الهوية مقابل الحصول على الميزانيات، بل هي حق أصيل تفرضه المواطنة وتدفع ثمنه مشاركتنا الاقتصادية والمدنية.
لم تقف خطورة المقولة الإسرائيلية الخبيثة عند حدود الخطاب الرسمي، بل تكمن الأزمة الحقيقية في قدرتها على التسلل إلى عمق الوعي الجمعي في شارعنا العربي، حتى أضحت لسان حال قطاعات واسعة تتلقفها وتكررها بأشكال مختلفة.
فمنهم من يرددها بدافع الحاجة الملحة لإنارة شارعه وتعبيد طريقه وحل أزماته المعيشية اليومية، ومنهم من يطرحها كنوع من الرفض والمحاكمة لكامل الأداء البرلماني للقيادات العربية، ليصبح الشعار المتردد بين الناس: "عضو الكنيست فلان يهتم لحقوق ابن رام الله، ويغفل عن حقوق ابن الناصرة والطيبة"، وهي مقولة مترجمة بالكامل عن "العبرية".
ومع اتساع دائرة المنادين بهذا الطرح، لم يعد الموقف يقتصر على صعود نهج سياسي بعينه كالتيار الذي تمثله القائمة العربية الموحدة، بل امتد تأثيره ليشمل كافة القوى والنواب العرب على اختلاف مشاربهم. لقد وجد النائب العربي نفسه تحت ضغط اجتماعي وهجوم إعلامي كاسح، يدفعه تدريجياً نحو سلوك أقرب إلى "الاعتذار المغلف" عن اهتماماته السياسية والقومية.
وبات الجميع يستنفر لإثبات جدارته الخدمية، عبر استعراض الميزانيات المجلوبة، والمشاريع المتابعة، والجلسات التي تعنى بالخدمات اليومية، تفنيداً للاتهام الإسرائيلي الممنهج وسعياً لإقناع الناخب بأنه يحتل رأس قائمة الأولويات.
وهكذا، تشكلت إحدى أهم الشرائح التي منحت الشرعية الاجتماعية والانتخابية لنهج الموحدة "الخدماتي". شريحة لم تصنع من الفراغ، بل هي نتاج استنزاف معيشي طويل وهندسة وعي جعلت المواطن ينظر إلى الخدمة الأساسية وكأنها مكرمة يحصل عليها بالمهادنة. لقد نجحت هذه المعادلة في شل قدرة التمثيل السياسي على فرض الحقوق القومية والمدنية معاً كحزمة واحدة لا تقبل التجزئة، وأجبرت السياسي العربي على اللعب داخل مربع الخدمة الذي حددته المؤسسة الرسمية بالأساس.
إن هذا التحول يجبرنا على مواجهة السؤال الحقيقي بجرأة: هل أدى هذا التراجع والتبرير المستمر إلى نيل المساواة الكاملة أم أنه أورثنا منطقة رمادية خسرنا فيها حزمنا القومي دون أن نكسب مواطنة كاملة غير مشروطة؟ إن المطالبة بإنارة الشارع وتطوير المدارس وحماية أمن المواطن هي حقوق أصيلة توجبها المواطنة ودفع الضرائب، ولا يجوز أن تتحول إلى ابتزاز سياسي يجبر ممثلي الشعب على الاختيار بين كرامة ابن رام الله وحق ابن الناصرة، فكلاهما يواجهان ذات المنظومة التي تجعل من الحق البسيط صفقة سياسية.