
















اهلا أطلس العيون
عفيفة مخول خميسة _ معليا
تحيّة للمعلّم...
خلوة مع الصمت تكشف عن أطلس ليس من ورق يمكن طبع آلاف النسَخ عنه، فهو مجسّم قافلة من حكايات مرئيّة مسموعة تتحرّك بلا قيود بين نوافذ مكان وزمان بعينهما، وتستوطن فضاء السنين وحدة لا تتجزّأ، تمّحى فيها الخطوط التقليديّة العريضة والألوان المتعارف عليها.
أمّا بداية تشكّل هذا الأطلس فقد تزامنت مع أول تماسّ كان لي بالتراب والماء والحجر، حيث كان الإزميل حاضرًا لحفر العلْم في الصغر.. وكان الضرب دغدغة والصوت رقيقًا..
وأزعم أنّني محظيّة بذاكرة جبليّة وُلدت في بيت بين مسارب هذين الزمان والمكان، فنمت حروفها وترعرعت.. وتبلورت علاقتها بنغمات الأرض.. فأقامت عليها صروحًا مرئيّة مسموعة غير مقروءة.. وكانت جُنة انتماء عقّلها بريان أقدام الدرب إلى المدرسة الأولى.
وإذا المدرسة معلّقة تضمّ مجمل مقطوعات المعارف التمهيديّة المبوّبة، وكلّ مفردات الثقافة الأخلاقيّة المدرجة. وفي الواجهة الأماميّة معلّمون مربّون بمنزلة الآباء. وقد كتبتُ فيهم مجموعة وأفرادًا ما اعتبرته إرضاء لشعوري بالوفاء.. لكنّي اليوم أقول: "كتبنا.. وما كتبنا" غير الطافي على سطوح الفصول. فهم الذين كتبوا في الأعماق ذاكرة تألفها الحياة ويحترمها التاريخ.
قبل عامين قمتُ وزوجي بزيارة المربّي الفاضل جمال علي، ترافقنا شقيقته الفاضلة السيدة منيرة علي مهنا، فارتفع صوت ذاكرة المدرسة عاليًا من على بعد خمسة وستين عامًا وأكثر، حتى عبّأ فضاء الساحة والصفوف باسترجاع صامت لنقرات لم تندرج ضمن المنهاج.
في مضافة أبي فاضل صوت العقود يعلو بشكل فوضويّ، وصوت الهرم التسعينيّ متّزن الإيقاع يحكي عن سكينة داخليّة ترجّع الترحيب بحيويّة تنمّ عن صفاء ذهنيّ وذاكرة حاضرة. هذا هو كما أعرفه. هو الذي اختزل الصوت بلغة جسد فلّاح رياضيّ، ورسّام يطوّع الريشة لابتكارات عفويّة مبهرة.
أبو فاضل يدير نار الحديث لقرص الضيف.. هذا هو نهج الكبار. وعلى هامش الحديث كانت إضافة نوعيّة لما كنتُ أعرفه؛ قامة شاملة المهارات تنحني لبستان أطفال حيث عزّت مربيات الجيل الطريّ، جيل النقش الأول في الحجر. وحالما استقام الظرف راح على مهل يتدرّج صاعدًا نحو المهمّات الإداريّة الصعبة..
بعد رحيل المعلّم وقفتُ دقيقة صمت وإكبار لكلّ الراحلين من رعيل كبار معلمينا، راجية طول العمر مع تمام العافية للباقي منهم، الأُستاذ يوسف سويد الذي كان من تلامذتهم النجباء وصار عضوًا فاعلًا في الهيئة التدريسيّة.
شمعة أُخرى تنطفئ ويبقى ضوؤها محرّضًا للسمع والبصر على حدّ سواء. وكان أن على بصيص عيادة لا تزيد عن ساعة قد قرأتُ ما حفرته ابتدائيّة المعارف في دروب الحياة. وأدّعي أنّني أُجيد الإصغاء لبيانات الدرب، وأطرب لكلّ مقطوعة عزفها هوى البساتين. وفي أطلس العيون مسارب موصولة بحركة مائيّة جوفيّة لا تتوقّف.
فما كان اسم هذا الأطلس مرتجلًا، بل نتيجة انحدار منطقيّ للطقوس التي أنتجها مناخ البقيعة المتميّزة بشبكة من عيون المياه. وقد انسحب هذا التميّز، بيقيني، على عيون الناهلين منها ثراء حسّيًّا ونقاء روحيّا كاد أن يقلّص المسافة بين قسوة الصخر وليونة الماء إلى حدّ الصفر.
فما كان بوسعه إلّا أن ينتشر عَرف الرذاذ في فضاء حجّمته الجغرافية في بقيعة عظّمته حتى عانق السحاب. وما كان بوسع المؤسّسة التربويّة النواة بذراعيها: الخاصّ والعامّ أن تتنكّر لهذه الحقيقة. ولا خطر ببال الخيال الرقميّ أن يتفرّغ للربط بين خرير المياه في جوف الليل وهدير الحياة على متن النهار. من هنا أقمتُ لجُنّتي هيكلًا لقناعة عميقة تناطح العقيدة، وهذه لا تمرّ عبر قنوات التبادل التجاريّ، بل عبر مذهب تربويّ راسخ رسوخ جبال البقيعة في عيون ونفوس أهلها.
صوت جوفيّ خافت يصعد بالدرب من العين البرانيّة إلى بيت المعلم جمال. والدرب شريط معبّد يسهّل وصول السيارات إلى جيل جديد من المنازل.. تحت الدرب هدير مطمور تسترجعه الحكاية ثورة مائيّة تسقط من بين حاجبَي الجبل الشماليّ قبل أن تنحدر عند التواء الشارع الرئيسيّ.. ويكمل المسار وثبًا رشيقًا صاخبًا فوق صخور جلمدتها القرون فوق العين.. وما إن ينتهي العرض حتى تخر المياه زلالًا رويًّا روى قصة رضّع جاوروا العيون فتعلّموا لغة الماء وأتقنوا النقش في الجلاميد.