X أغلق
X أغلق
الطقس
° - °
ترشيحا
° - °
معليا
° - °
بئر السبع
° - °
رام الله
° - °
عكا
° - °
يافا
° - °
القدس
° - °
حيفا
° - °
الناصرة
اسعار العملات
دولار امريكي
3.445
جنيه استرليني
4.1949
ين ياباني 100
2.5079
اليورو
3.6240
دولار استرالي
2.3021
دولار كندي
2.5184
كرون دينيماركي
0.4872
كرون نرويجي
0.3437
راوند افريقي
0.1994
كرون سويدي
0.3316
فرنك سويسري
3.6639
دينار اردني
4.8531
ليرة لبناني 10
0.0228
جنيه مصري
0.1398
اعلانات يد ثانية
تصفح مجلدات وكتب
الاستفتاء
مواقع صديقة

كرامة المواطن العربي بين بقرة معلمه لأكرم وبقرة المستوطن الاسرائيلي

admin - 2026-09-04 13:08:32
facebook_link

اهلا

جواد بولس

زرت قبل أسبوع قرية فلسطينية من ريف محافظة رام الله تلبية لدعوة صديق قمت، قبل ثلاثين عاما، بتمثيل عائلته أمام المحاكم الاسرائيلية ضد سلطات الاحتلال التي حاولت مصادرة أراضي تلك القرية/ الخربة وسرقتها لصالح اقامة بؤرة استيطانية جديدة. تذكرنا كيف نجحنا وقتها في افشال المخطط واستعادة الأرض، وكيف تمترس أصحابها فيها ولم يبرحوها معزِزين بذلك معركتهم القضائية أمام المحكمة. وقفنا على أطراف البلدة وشاهدنا ، ليس بعيدا عنا، مجموعة من الكرڤانات الموزعة على عدة قطع من أراضي قرية مجاورة، وبينها يتجول بعض ممن يُدعون "بشباب الهضاب" وهم، في لغة التاريخ والحق، سوائب فالتة أو ميليشيات الموت . "هذه بؤرة جديدة" قال لي صديقي وأضاف" لقد بدأت حكاية هذه البؤرة كما في معظم البؤر الاستيطانية الجديدة؛ يدخل مستوطن أو أكثر أرض القرية مصطحبين معهم بقرة أو بعض الماشية، التي سرقوها، على الأغلب، من الفلسطينيين، ويدعونها ترعى في أراضي القرية. يتسللون خلسة وينصبون، في البداية، خيمة صغيرة وبعد أيام يتركون البقرة ترعى لوحدها حتى تألف المكان، فتبدأ بالاقتراب من بيوت الناس لتعود ادراجها، بعد امتلاء معدتها، وكأنها صاحبة الأرض وما عليها. يعاود المستوطن "زياراته" حتى يتمكن من تضاريس المنطقة فيقيم فيها ويبدأ بشن "غاراته"، وحيدا أو مع صحبه. يعرف المواطنون أن البقرة فخّ ، إن تأذت يا ويلهم ويا سواد ليلهم، فيحاولون صد المعتدين بحذر "وبأدب" ، بيد أن سلاح المستوطنين وعزوتهم يضعون الحد بين الحق والممكن وبين الحياة والموت". هذه بالمختصر حكايات المستحيل الذي يواجهه أهل فلسطين في هذا الزمن الخراب. حكايات تتنقل من نزلة الى عزبة الى خربة الى قرية الى أطراف المدينة.

قد تختلف نهايات تلك الحكايا بكمية الدم الفلسطيني المسفوك، ولكن مأساة الفلسطيني والعربي تبقى هي نفسها، وتبقى "بقرة المستوطن/المعلم" هي صانعة الخوف/ الوهم، وهي رمز السطوة/العظمة، وهي ممثلة للإله "يهوة"، في حالتنا الفلسطينية، على تلك الأرض.

"لماذا لم يشتكوا للشرطة الاسرائيلية، أو على الأقل، لماذا لم يتوجهوا لسلطتهم الفلسطينية ؟" سألت صديقي، فازددت، بعد سماع جوابه، غصة وفاض قلبي وجعا.

لقد واجه الفلسطينيون منذ أول يوم للاحتلال سياسة القمع ومصادرة الأراضي والاعتقالات والابعاد وغيرها من ضروب الملاحقة والحصار، لكنهم وجدوا دائما الوسائل والأدوات التنظيمية والظهر المؤتمن لمواجهة تلك السياسات ولإفشالها أحيانا. ما يحدث في السنوات الأخيرة هو أمر مختلف، خاصة بعد ازدياد قوة الأحزاب والحركات اليمينية الدينية العنصرية المتطرفة ودخولها كجسم وازن وأساسي في الحكم، مثلما حصل في حكومة نتنياهو الحالية، وبعد تولي قادة هذه الحركات والأحزاب شؤون إدارة الأرض المحتلة بتنسيق كامل مع جيش الاحتلال. لقد ولد عهد سياسي جديد عنوانه ضم الأراضي الفلسطينية للسيادة الاسرائيلية وتهجير سكانها بقوة الارهاب، كما بدأنا نشهد في الآونة الأخيرة. إن اطلالة سريعة على ما ورد في آخر تقرير صادر عن "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية في الأرض الفلسطينية" تكفي كي نتحقق من هذه الأهداف. يوثق التقرير لأكثر من 1540 اعتداء قام بها المستوطنون منذ بداية العام الحالي، وأدت إلى إصابة أكثر من 1040 فلسطينيا. من اللافت أن معدّي التقرير رصدوا كيف صعّد الجيش والمستوطنون في الآونة الأخيرة اعتداءاتهم وضاعفوها عامدين الى خلق أجواء الخوف والقلق والعجز واليأس بين الفلسطينيين، بالتوازي مع تهجير قطاع غزة. وقد تم توثيق 80 حالة اعتداء جرت بين 11 و 24 أغسطس الجاري، أسفرت عن وقوع عدة اصابات خطيرة وأضرار جسيمة بالممتلكات وإلى تهجير بعض العائلات والتجمعات السكنية. يؤكد التقرير أن 79 مواطنا من بينهم 19 طفلّا استشهدوا منذ بداية العام الجاري؛ أما عدد المصابين على أيدي جيش الاحتلال أو ميليشيات المستوطنين فكان نحو 1870 مصابا، مع الاشارة إلى أن 23 شهيدا و 1040 مصابا هم حصيلة هجمات المستوطنين وحدهم.

ما رأيته خلال زيارتي لصديقي هو حالة من مئات الحالات المشابهة. فما نشاهده، ويشاهده معنا العالم بأسره، هو التنفيذ الفعلي والحرفي لخطة حكومة اسرائيل الرامية الى تهجير أصحاب المكان بالعنف المفرط وبجميع وسائل الارهاب المكشوف التي من شأنها أن تدفعهم للهجرة، وذلك وفق مبدأ "العظمة اليهودية"( عوتسما يهوديت) الذي وضعه ونادى بتنفيذه مؤسس الكاهانية الأصلية، العنصري مئير كهانا، في مطلع سبعينيات القرن الماضي.

وهذا ما حصل فعلا ؛ فالفلسطيني يعيش، في هذه الأيام، في عالم من رعب ولا يرى في الأفق بارقة أمل واعدة. ينام على وسائد من وهم وقلق، ويفيق مقهورا "كالمنبتّ، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى"، فينظر من شباك داره ويرى بقرة المستوطن "تمشي الهوينى" في حدائقه "لا ريث ولا عجل". كل أبواب الاغاثة موصدة في وجهه، وصدره عار لا يقيه أي درع ولا يحمي ظهره أي "خيّال". شرطة الاحتلال، مثل محاكمه، هما ذراعان في منظومة قمعه واضطهاده. ومؤسسات السلطة الفلسطينية غير قادرة على حمايته وتفتقر لقدرة التأثير على الجانب الاسرائيلي الذي لا يحسب لوجودها، أصلا، أي حساب ولا يوليها أي اعتبار.

لقد أدهشتنا، أنا وصديقي، حكايات الناس عن "بقرة المستوطن" وكيف يحسبون لها ألف حساب، تماما كما يحسبون الحسابات عندما تغزو قراهم أفواج من "ميليشيات القهر".

ضحكنا قليلا، وكان الشجر أمامنا يبكي؛ وتذكرنا "بقرة معلمه لأكرم"، بطلة المسلسل السوري الشهير "الخربة" الذي بث في عام 2011. لقد دارت أحداث المسلسل في قرية متخيّلة تدعى "الخربة" يعيش أهلها وسط تجاذبات وطرائف تراجيكوميدية، تشبه في كثير من تفاصيلها وايحاءاتها حياة أهالي قرى الريف الفلسطيني .

عدنا إلى "خربة" ممدوح حمدان والليث حجو ونحن على أطراف "الخربة" الفلسطينية، واستعدنا تداعيات العلاقة بين فيّاض وأكرم وبقرة معلمه لأكرم؛ وهي علاقة لفتت تفاصيلها ومغازيها، رغم تداعيها في ظل محاور المسلسل الرئيسية الأخرى، انتباه المشاهدين، خاصة وأن مجتمعاتنا العربية لا تزال، رغم مرور عقد ونصف، تعيش في خِرَبها وتحتضن أنماطا بشرية شبيهة لشخصيات الخربة وتؤدي أدوارا مشابهة في نسج وتعقيد العلاقات الاجتماعية بين أهل القرية، وبينهم وبين مراكز السلطة والحكم.

يؤدي فياض( الممثل محمد حداقي) دور راعي البقر. المواطن المسحوق البسيط الذي يوكّل برعاية بقرة أحد المسؤولين الأمنيين الصغار من المنطقة، الذي يعمل عنده أكرم، ابن الخربة، بوظيفة هامشية ورتبة متواضعة. يعيش فياض حياته مرعوبا من أن يحصل أي أذى "لبقرة معلمه لأكرم" فيصبح همّه الأول والأخير المحافظة عليها. يدللها على حساب كرامته ووقته ووقت أهل بيته ويبث مشاعر خوفه بين جميع أهل القرية حتى صارت "البقرة" عمليا ممثلة لجبروت سلطة عليا، تبيّن لاحقّا أنها وليدة وهم عاشه ذاك الانسان البسيط الخائف .

أما دور أكرم (الممثل شادي الصفدي) فهو دور ثانوي لكنه مهم لانجاز الحبكة واتمام أضلاع المثلث الثلاثة : السلطة والوسيط/ الوكيل والمواطن. نعرف أن أكرم يعمل في المدينة عند ضابط مخابرات/ مسؤول ويحمل مسدس الدولة. وكان يستعرضه في بعض المناسبات الاجتماعية ليذكّر أهله بمن يكون ومن بظهره. يمثل أكرم وظيفة الوسيط الذي يتحدث دوما بمخافة عن معلمه ويستحضر مكانته المهيبة حتى من دون أن يظهر، ذاك المعلم، في المسلسل بشخصه بل بقي شخصية متخيّلة خلف ضباب المدينة .

استعدنا تلك التفاصيل ببعض من الفكاهة المرة والقلق، ولسان حالنا يقول دوام هذا الحال من المحال ؛ فحال "الخِرَب" في فلسطين ليست بأفضل من حال "خربة" أبو النايف وأبو النمر. الخوف يستوطن في قلوب الناس خاصة الذين يسكنون في مناطق b و c ، والانتهازيون ومصنّعو ذاك الخوف كثر ومخمّرو أسبابه لا يرحمون، وهمّهم أن يبقى الخوف حاجبا بين الناس وبين "مدراء النواحي" ولتعش في دنيا العجز "بقرات معلمه لأكرم" بنعمة ودلال.

أعرف أن المقاربة بين الحالتين غير صحيحة وغير دقيقة بالطبع؛ فشتان بين "بقرة" المغتصب المحتل و"بقرة "معلم أكرم "الوطنية"، ولكن تبقى رسالة الخربة الأهم صالحة لكل شعب مقهور ومظلوم، وهي أن الاستبداد، في الحالة الفلسطينية الاحتلال، لا يتغذى فقط على قوة الطاغية، بل على فائض الخوف والجهل والانتهازية التي يبديها المحكومون أنفسهم والذين يصنعون من "بقرة" رمزا للرعب.



مواضيع متعلقة
مواقع اخبار عبرية
مواقع اخبارية عربية
مواقع اقتصادية
مواقع رياضة
بنوك
راديو