
















اهلا مواطنٌ حتى إغلاق الصناديق
مرةً كل بضع سنوات، تستيقظ الدولة فتجدني مواطناً.
يا للهول.
كل هذه السنين وأنا في البيت، ولم تنتبه إليّ إلا حين احتاجت إلى إصبع.
أغسل إصبعي جيداً وأذهب. أرتدي قميصاً مكويّاً، فليس لائقاً أن يستقبل المرء المساواة بثياب العمل. قد لا يراها ثانيةً قبل أن يبلى القميص.
أقف إلى جانب جاري اليهودي. ورقةٌ له وورقةٌ لي. صندوقٌ واحد يتّسع لنا معاً، فيما البلاد، بكل سهولها وغيومها، تضيق بغرفةٍ أريد إضافتها لابني.
أكاد أعانق الصندوق.
هذا الكائن الخشبي أكثر رحابةً من وزارة.
خلف الستارة، أصبح سيّداً لدقيقة. لا أحد يسألني لماذا بقيتُ هنا، ولا يطالبني بإثبات محبتي لمن يفتّشون جيوب الورد عند بابي بعد ان التهموا حديقتي. أستطيع إسقاط حكومة، هذه المرة. أما إسقاط أمر هدمٍ فيحتاج إلى محامٍ، ومالٍ، وعمرٍ آخر، وربما إلى هدم البيت أولاً لتخفيف العبء عن المحكمة.
أخرج من وراء الستارة ببطء.
أريد أن أطيل إقامتي في المساواة.
يسألني الموظف إن كنت انتهيت.
كيف أشرح له أنني منذ ولادتي أحاول أن أبدأ؟
في المساء، سيعدّون صوتي بعناية. لن يسمحوا لأحد أن يسرقه. ستسهر عليه الدولة التي أنام فيها وأنا أتحسّس وجود بيتي ولغتي ، كما تتحسّس أمٌّ جبين طفلها المحموم.
ثم تأتي الحكومة الجديدة جداً.
نساعدها على صعود الدرج، ونظلّ عند الباب حاملين حقائبها.
وقد يطلّ علينا وزيرٌ أنيق ليشرح لنا، بلغةٍ مهذّبة، لماذا ينبغي أن نبقى عند الباب.
أعرف.
لستُ حديث العهد بهذه الحفلة.
كلما بدّلوا عازف الطبل، طلبوا من ظهري أن يتفاءل.
لكن هذه المرّة، ثمّة إغراءٌ يصعب مقاومته.
لقد جلست الفاشية في الصالون، ومدّت ساقيها فوق أعناقنا، وراحت تسألنا عن حسن الضيافة. فتحت خزائننا، وقاست المسافة بيننا وبين الحدود، ثم غضبت لأن القهوة باردة.
هذه المرّة سأذهب.
في يدي ورقةٌ صغيرة، وفي خيالي مكنسةٌ تليق بهذا الوسخ الكبير.
لا أنتظر فردوساً عند باب الصندوق.
أريد فقط أن أرى هؤلاء يحملون صورهم عن الجدران. أن يختلفوا على السيارة التي ستعيدهم إلى بيوتهم، وأن يجد أحدهم وقتاً، وهو يجمع أغراض مكتبه، ليسأل أين وضع مفتاحه.
يا لها من مصيبةٍ تستحقّ أن يعيشها:
أن يكون له بيتٌ، وألّا يجد المفتاح.
سأطوي الورقة جيداً وأدفعها في الشقّ.
سأكنس ما أستطيع.
وحين يأتي الحاكم الجديد ليشكرني ويستعير المكنسة، سأضمّها إلى صدري.
ففي هذه البلاد،
ما إن تسلّمهم المكنسة
حتى يبدأوا بك.