
















اهلا-عروة سويطات عروة سويطات: على هذه الانقاض ما يستحق الحياة
يقوم د. عروة سويطات ابن حيفا وجِدِين وكل الأماكن، والباحث في جامعة براون، بمشروع ريادي يستحق الالتفات والكثير من التقدير. إنه مشروع خرائط الاستعادة. ضمن زيارته القصيرة للبلاد قدم محاضرتين تفاعليتين في جامع الجرينة وكنيسة يوحنا المعمدان في حيفا.
أصغيت اليه في الندوة التي نظمها النادي الارثوذكسي الثقافي في السادس من تشرين ثان في قاعة كنيسة يوحنا المعمدان في حيفا وعرافة المحامي فؤاد نقارة. أصغيت الى كل كلمة وانطباعي ان هذا حال الجمهور الغفير الذي حضر الامسية.
سرد د. عروة كيف انتقل من خرائط الاستعادة في دراسة حالات مختلفة من مدن أبيدت في شتى انحاء العالم، فيما أن غزة وهي تتعرض للابادة امام أعين العالم لم تترك له مجالا، بل أعادته اليها والى فلسطين، وأعادته حصريا الى حيفا التي نكبت العام 1948. كان يتحدث عن حيفا وغزة وانقاضها وأهوال أهاليها ماثلة بصفتها الفصل الاكثر كثافة من النكبة.
في خرائط الاستعادة هو يستعيد المكان كيف كان وكيف كان ينبغي ان يكون لو بقي بأهله. تحدث عن تحويل المدينة الى ركام وعن لغة المكان التي كانت ولم تعد، عن الساحات والأحواز وابار المياه والخان والسباط والبستان وعن الأسواق وعن مفهوم الدرج في حيفا وتعدد استخداماته. وتحدث عن المقابر والكنائس والجوامع التي سوّيت بالارض وباتت انقاضها تحت مواقف السيارات والبنايات الحكومية وهيكل القضاء وجدرانها المتوحشة سعيا لإخفاء المكان وهوية الزمان. تحدث د. عروة عن الهدم وتحويل البلد الى ركام وردم بعد هدم البلدة القديمة وهي اساس المدينة الحديثة والتي بناها ظاهر العمر.
توقف د. سويطات عند مفهوم ركام البيوت والابنية المهدومة، وعند الانقاض وكيف يراها الفلسطيني اللاجيء او الفلسطينية اللاجئة بيتا وحيّاً وساحة وانتماء وروح المكان. لم تختف الخرائط بل أخفِيت وكذلك الارشيفات التي تم نهبها كي يتم إخفاؤها عن اصحاب المكان ظنًّا ببتر التاريخ. اشار الباحث الى ان الانقاض هي اسس ما كان وسعى ليبنيها ولو افتراضيا من جديد في فكرة الاستعادة كي يشحن حلم اصحابها وكي يصون القصة وهوية المكان.
ذكرني بما وجدته ذات مرة قبل نحو عقدين من الزمن ضمن زياراتي المتكررة لقرية سحماتا الجليلية المهجّرة والمدمّرة وهي من أحب القرى على قلبي، فشدتني حجارة بيوتها المهدمة لاراها بيوتا وكتبت في حينه: "يريدونها ردماً ونراها بيتاً". هذه روايتنا وحلم الرواية.
اللافت في اجتهاد عروة سويطات هو إثراء الوعي الجمعي بمعانٍ اضافية واستخدامات للتاريخ الاجتماعي العمراني للمكان، وتوفير المعلومة والنظرة الثاقبة لأهل هذا المكان في الوطن والشتات حيث يحملون ذاكرته وقصته وهويته من جيل الى جيل.
في خرائط الاستعادة اسهام فوق الجغرافيا والتتخطيط الحضري بل هي بقاء للبقاء ووعي البقاء لمن بقوا والعودة لمن في الشتات وكي يبقى المكان حاضرا فيهم. يلتقي هذا الاسهام مع فيلم المخرج نزار حسن عن حيفا المخفية وإحيائها من جديد بألسوب مختلف لكن يلتقيان في ساحاتها.
لا يحتكر الباحث عروة سويطات المعرفة بل يقدمها للناس لتكون متيسرة لهم للاطلاع عليها أينما كانوا، فهي مُحوسبة وستكون تحت تصرف كل المعنيات والمعنيين.