
















اهلا الهيمنة والقوة وإصلاح المؤسسات الدولية
برأيكم، من يؤيد إلغاء حق الفيتو للدول الخمس التي تتحكم بقرارات مجلس الأمن، ومن يقف ضد هذا الطرح؟
في هذا العالم المختل، حيث أصبح القوي يأكل الضعيف، وغابت القيم والأخلاق والعدل عن كثير من الدول، تظل السيادة الوطنية والإرادة الجماعية هي السلاح الحقيقي للشعوب المقهورة. فقد رأينا كيف يمكن خلال أقل من ساعة انتزاع رئيس من قلب جيشه، رغم امتلاكه مختلف أنواع السلاح والقدرات، بينما تعجز أقوى الجيوش على مدى أعوام طويلة عن الوصول إلى أسراها وتحريرهم من داخل غزة، رغم محدودية الإمكانات لدى من يدافعون عن وطنهم هناك.
هذا الواقع يكشف ضعف المؤسسات الدولية في حماية حقوق الشعوب، خصوصًا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث أدى تكرار استخدام حق النقض “الفيتو” من قبل الدول الخمس دائمة العضوية إلى شلّ أركان المنظمة وخلق شعور لدى الشعوب بأن القانون لا يُطبّق إلا على الضعفاء. ومن هنا جاء اقتراحي الشخصي "طلال أبوغزاله": إلغاء “الفيتو” أو حصره بدول محددة قادرة على التوازن بين القوة والمسؤولية.
أبوغزاله: إلى ضمير العالم وإلى الأمم المتحدة: ألغوا “الفيتو” وحرّروا صوت الشعوب
وقد أشاد أبوغزالة في هذا السياق بمواقف دولة جنوب أفريقيا والعديد من العواصم العالمية الداعمة للحق الفلسطيني، مؤكّدًا أن الدعم الدولي للشعوب المقهورة يجب أن يتحوّل من مجرد بيانات سياسية إلى إجراءات عملية تحمي حقوقهم وتعيد لهم كرامتهم.
وخلال لقاءه مع سفيرة جنوب أفريقيا، تشيلاني موكوينا، حضر ممثلون عن أكثر من 30 دولة، بينهم الصين وروسيا، واطلعوا على رؤيته لإصلاح الأمم المتحدة. وأوضح أبوغزالة أن الجنوب العالمي يشكّل أكثر من 60% من سكان العالم، لكنه يفتقر إلى تمثيل فعّال في المنظمة، وأن الأعضاء العشرة غير الدائمين لا يملكون حق النقض، كما تم رفض مقترحات إضافة مقاعد دائمة لأفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، مما يعكس ازدواجية المعايير.
كما شدّد على ضرورة توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لجعل عمل المنظمة متمحورًا حول إرادة الشعوب، وإشراك الجمهور والشباب في اتخاذ القرار، بما يخلق مجتمعًا عالميًا متفاعلًا ونشطًا يلتف حول هذه المؤسسة.
إن كتابه الأخير، “من الأمم المتحدة إلى الشعوب المتحدة”، ليس مجرد مجموعة مقالات، بل صرخة ضمير عالمي وعريضة مفتوحة على جراح مئات الملايين، ورسالة تقول: لم تعد الأمم المتحدة تمثّلنا إذا بقيت أداة حكر على الكبار، تحجب العدالة وتوزع الألم حسب الأهواء والصفقات.
الدرس الاستراتيجي واضح: لا توجد قوة، مهما بلغت، تستطيع كسر إرادة شعب واعٍ، وكل تجاهل لهذه الحقيقة، سواء عسكريًا أو مؤسساتيًا، ينتهي بإخفاق استراتيجي واضح. الأمم المتحدة يجب أن تتحول إلى صوت الإنسانية الحيّ، لا إلى مسرح للهيمنة والفيتو الانتقائي.
هذا هو د. طلال أبوغزالة، المفكر العربي الذي بلغ التسعين من عمره، ورغم رحلته الطويلة، لا يزال صوته عاليًا من أجل العدالة، وضميره حيًّا من أجل الدفاع عن حقوق الشعوب، ويدعو العالم والأمم المتحدة إلى إصلاحات حقيقية تضمن تمثيلًا عادلًا وصوتًا للإنسانية، بعيدًا عن الهيمنة والفيتو الانتقائي.