
















اهلا-الأستاذ عماد عيساوي العالم اليوم تحكمه عصابة من المتكلمين، لا من المفكرين،مهرجون ببدلات رسمية، ألسنتهم أطول من عقولهم،ونرجسيتهم أوسع من خرائطهم.
لم نعد أمام رجال دولة، بل أمام ذكور سياسية مصابة بانتصاب لغوي دائم، يلوّحون بالكلمات كما يلوّح العاجز بسكين صدئة في شارع مظلم، فقط ليقنع نفسه أنه ما زال خطيرًا.
السياسة لم تعد فن الممكن، بل فن الاستفزاز الرخيص، سبٌّ متبادل بين دول تملك زر الفناء وتتصرف بعقلية مشاجرة مقهى، والكارثة أن هذا الوصف لم يعد مجازًا، بل صار توصيفًا حرفيًا لما جرى في كييف في جانفي، حين اقترب العالم من الحرب لأن وزيرًا قرر أن يتذاكى أمام كاميرا.
في يوم 9 جانفي، كان جون هيلي، وزير الدفاع البريطاني،يتجوّل في كييف، مدينة تُقصف منذ عامين، لا بوصفه زائر تضامن فقط، بل كمسؤول عسكري في دولة نووية وعضو مركزي في حلف شمال الأطلسي.
وأثناء زيارته لمنطقة سبق أن تعرّضت لقصف روسي، أجرى مقابلة مع صحيفة The Kyiv Independent وهناك، بدل أن يتحدث بلسان الدولة، قرر أن يتحدث بلسان المراهق السياسي، فأجاب عن سؤال صحفي ركيك بإجابة أخطر منه،معلنًا أنه لو أُتيحت له الفرصة لاختطف فلاديمير بوتين ليقدّمه إلى المحكمة.
هذا لم يكن تصريحًا سياسيًا، بل زلة نفسية فاضحة.
رجل يتحدث عن "خطف" رئيس دولة نووية كما لو كان يتحدث عن مشهد في مسلسل، غير مدرك أو غير مكترث بأن الكلمات في هذا المستوى ليست هواءً، بل إشارات رادارية.
الخارجية الروسية ردّت ببيان غاضب، لكن البيان كان الجزء الأقل خطورة، لأن روسيا، حين تتوقف عن الكلام، تبدأ في التفكير بطريقة أخرى.
بعد يومين فقط، في 11 جانفي، كان جون هيلي في طريقه داخل كييف إلى موقع آخر لعقد مؤتمر صحفي جديد. الموكب يسير، الكاميرات جاهزة، وفجأة تنطلق صفّارات الإنذار، لا بوصفها روتينًا، بل بتحذير أمني عاجل
صواريخ روسية في الجو. الموكب يتوقف، الارتباك يعمّ،والدقائق القليلة تتحول إلى لحظة معلّقة بين الحياة والفناء.
الصاروخ الذي استُخدم في الضربة القريبة لم يكن عاديًا، بل كان صاروخ فرط صوتي، غير قابل للاعتراض عمليًا، قادر على حمل رؤوس تقليدية أو نووية، ويُعد من أخطر أدوات الردع الروسية.
الصاروخ سقط في منطقة مجاورة لمسار موكب الوزير، لم يُصب الهدف مباشرة، لم يُفجّر المدينة، لكنه فعل ما هو أخطر أوصل الرسالة كاملة.
هذه لم تكن ضربة عشوائية، ولم تكن خطأ إحداثيات. كانت ضربة محسوبة، منخفضة التدمير، عالية الرمزية، تقول بوضوح فجّ
نحن نعرف أين أنت، نعرف متى تمرّ، ونستطيع إنهاء هذا العرض متى أردنا.
هذه ليست سياسة تقليدية، هذه لغة نفسية مكتوبة بالصوت والسرعة، ردّ مباشر على تصريح مستهتر، ولكن بلغة لا تُنقل في المؤتمرات الصحفية.
روسيا برّرت الضربة لاحقًا بأنها جزء من تصعيد ردًّا على هجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة استهدفت حسب الرواية الروسية محيط مقر إقامة فلاديمير بوتين قبل أسابيع.
هذا التبرير صحيح جزئيًا، لكنه لا يشرح التوقيت، ولا يشرح قرب الضربة من موكب وزير دفاع دولة أطلسية. الرسالة كانت مزدوجة لأوكرانيا أولًا، ولندن ثانيًا، ولحلف الناتو كله ثالثًا.
وهنا تتعرّى المسرحية الدولية.
السياسي الذي يتحدث عن خطف رئيس دولة لا يفعل ذلك لأنه شجاع، بل لأنه يعاني من تضخم أنا فارغ، يحتاج إلى جملة صادمة ليشعر بوجوده.
والرئيس الذي يرد بصاروخ لا يُصدّ لا يفعل ذلك لأنه هادئ وواثق، بل لأنه يخوض صراعًا طويلًا مع ذاكرة الإهانة. روسيا هنا لا تقصف فقط، بل تعالج عقدة تاريخية بالنار،تحاول أن تقول لنفسها قبل غيرها
ما زلت هنا، وما زلت مخيفًا.
أما بريطانيا، فتلعب دور الإمبراطورية التي لم تتقبّل موتها بعد. تتحدث بلهجة المنتصر بينما هي تعيش على أرشيف الانتصارات، وتتصرف كما لو أن القرن التاسع عشر لم ينتهِ،وكأن العالم ما زال ينتظر تعليماتها.
هي لا تملك قرار الحرب، لكنها تملك تصريحًا وقحًا، ولا تملك السيطرة، لكنها تملك ميكروفونًا، وهذا أسوأ مزيج حين يغيب العقل.
الأكثر رعبًا من الصاروخ نفسه هو أن العالم ابتلع الحادثة بلا صدمة. كادت مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو أن تقع،حرفيًا، ولم يتحرك شيء.
لم تُطرح أسئلة جدية، لم يُحاسَب أحد، لأن الجنون صار طبيعيًا. صار الاقتراب من الحرب العالمية خبرًا عابرًا، وصار التهديد النووي تفصيلًا تقنيًا. هذه ليست شجاعة، بل تخدير جماعي.
نحن أمام قادة لا يحتملون الصمت.
الصمت يفضح فراغهم، لذلك يملؤونه بالكلام، بالتهديد،بالاستعراض. السياسي الذي يستفزّ يحتاج إلى عدو ليشعر أنه حيّ، والزعيم الذي يلوّح بالقوة يحتاج إلى خوف الآخرين ليهدّئ خوفه الداخلي.
إنها سيكولوجيا السلطة العارية، حين تتحول السياسة إلى علاج نفسي بدائي.
أما الشعوب، فهي خارج المعادلة. لم يُسأل البريطانيون إن كانوا يريدون الاقتراب من الحرب، ولم يُسأل الروس عن ثمن هذه الرسائل، ولم يُسأل الأوكرانيون إن كانوا يريدون أن تتحول مدينتهم إلى مسرح رسائل بين رجال مصابين بتضخم الأنا. البشر هنا مجرد خلفية، مجرد ديكور دموي لعرض أكبر منهم.
ا هذا النظام العالمي يقوده أناس لا يستحقون إدارة موقف،فكيف إدارة مصير البشرية. الخطر ليس في الصاروخ الذي لم يُصب، بل في العقول التي كانت مستعدة لتحمّل إصابته.
هؤلاء لا يخيفون العالم لأنهم أقوياء، بل لأنهم أغبياء والأغبياء حين يملكون القوة لا يحتاجون إلى نية شريرة،يكفيهم أن يتكلموا.