
















اهلا العالَمُ حينَ يُدارُ بمنطقِ الحُفَر منذ أن تعلّم الإنسان أن يحفر لأخيه حفرة، وهو يظنّ أنّ المسافة بين الفعل والعاقبة يمكن التحايل عليها. غير أنّ التاريخ، مهما طال، لا يُخلف موعده مع النتائج. فالمكر ليس طريقًا مستقيمًا، بل دائرة مغلقة، تبدأ بخديعة وتنتهي بسقوط. وما من قوة استطاعت أن تُعفي نفسها من هذا القانون، مهما امتلكت من نفوذ أو سلاح أو قدرة على التبرير. فحين تُبنى السياسات على إضعاف الآخر، لا يكون السقوط احتمالًا، بل مسألة وقت./ إنّ إشعال الفتن في ديار الآخرين لم يكن يومًا دليل حكمة، بل علامة فقر أخلاقي. فالدول التي تصدّر الفوضى بحجج الأمن أو المصالح العليا، سرعان ما تكتشف أن النار لا تعترف بالحدود. الفوضى، حين تُغذّى، تكبر، وحين تكبر تبحث عن موطئ قدم جديد، وغالبًا ما يكون ذلك في بيت من أشعلها. هكذا تتحول أدوات الهيمنة إلى عبء، وتتحول سياسات الردع إلى مصدر قلق دائم، لأن الخراب لا يمكن التحكم باتجاه رياحه./ وفي عمق هذا المشهد، تتكشّف أزمة أخلاقية أخطر: الطعن في الظهر بوصفه نهجًا سياسيًا. فالغدر، حين يصبح أسلوبًا في العلاقات الدولية، لا يبقى محصورًا بين الخصوم، بل يتسرّب إلى الداخل، ويصيب الثقة، ويُحوّل الحلفاء إلى مشاريع خيانة مؤجلة. ومن يؤسس نفوذه على الغدر، يعيش محاطًا بالشك، لأن من خان مرة، يتوقع الخيانة دائمًا، حتى من أقرب الدوائر إليه./ وهنا يبرز السؤال الذي يُتجاهل عمدًا: هل يمكن للثراء أن يكون مشروعًا إن كان قائمًا على السرقة؟ وهل تُنتج القوة الغاشمة استقرارًا حقيقيًا؟ التجربة الإنسانية تقول بوضوح إن ما يُؤخذ بالقهر لا يدوم، وما يُنتزع بالدم لا يتحوّل حقًا. فالظلم قد ينجح مرحليًا، لكنه يفشل استراتيجيًا، لأن ردّة الفعل ليست شعارًا أخلاقيًا، بل قانونًا وجوديًا يحكم المجتمعات والدول معًا./ المفارقة المؤلمة أنّ هذه الحقائق البديهية تُنتهك اليوم على أعلى المستويات. تُدار الأحابيل الإنسانية في غرف القرار ببرود، وتُصاغ الكوارث بلغة دبلوماسية ناعمة، فيما يُترك الإنسان العادي يدفع الثمن دمًا وتشريدًا وفقدانًا للمعنى. تُرفع شعارات القيم، لكنّ الممارسة اليومية تُفرغها من مضمونها، ليصبح السلام خطابًا، والحرب واقعًا، والإنسان رقمًا قابلًا للشطب./ ألم نُخلَق جميعًا من آدم وحواء؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه اليوم أشبه باتهام أخلاقي. فالعالم يتصرّف وكأن البشر درجات، وكأن بعض الأرواح أثقل وزنًا من غيرها. هذا الانقسام الصامت هو الجذر الحقيقي للفوضى، لأنه حين تُنزع المساواة من المعادلة، تفقد الإنسانية مبرر وجودها، ويتحوّل العنف إلى أداة مقبولة، بل مبرَّرة./ كتبت فقرأت واستنتجت وحللت ما جاد به الفكر والقلم،،وان كنت
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""
"مرعي حيادري" ..كاتب ومحلل
إنّ العالم لا يحتاج مزيدًا من القوّة، بل إلى مراجعة شجاعة للمعنى. لا يحتاج مزيدًا من التحالفات العسكرية، بل إلى استعادة البوصلة الأخلاقية التي تميّز بين الحق والغنيمة، وبين الأمن والهيمنة. فالتاريخ لم يُخلّد الأقوياء لأنهم سحقوا غيرهم، بل لأنه كشف، في نهاية المطاف، أن من يحفر الحفر لا يبني طريقًا، وأن من يراكم الفوضى لا يصنع مستقبلًا./
مخطئا فصححوني..!