
















اهلا لا يستهيننّ أحد بأحمد الشرع... والله يُستر!
وقفات على المفارق
فاتحة: بعيدًا عن التحليلات المنمّقة وجفاف كلماتها؛ فهل وصل الحال في السويداء نقطة الّا -عودة بين "المَرَقَه" وَ "احمِيد" وَ "الدُّردار"؟!
الوقفة الأولى... وخط باكو باريس والنَّعام!
سبحان الله على هـَ التشابه والتزامن؛ غداة باكو انطلقت غزوة السويداء، وغداة باريس انطلقت غزوة الشيخ مقصود والأشرفيّة، فإلى متى سيبقى البعض من السوريّين الفاعلين طامرين رؤوسهم في الرمال كالنّعام؟! الشائع أنّ النّعام يدفن رأسه في الرمال هربًا وخوفًا من المفترسات، لكن العِلم يدّعي أن هذا خرافة؛ والحقيقة أنه يضع رأسه في التراب للاستماع بشكل أفضل لخطوات الحيوانات المفترسة، أو تفتيشًا عن صوت الماء، أو اعتناء ببيضه. كان الأمر من باب الخرافة أو من باب هذا التفسير العلميّ، يظلّ المعنى المستنبط من هذا التصرّف صحيحًا، وإن كان بعض "أولي الأمر" السوريّين يفعلونها "خرافة" أو "شطارة" فستظلّ عجيزاتهم رهنًا للمتربّصين شرّا بسورية!
الوقفة الثانية... وإيهود براك والشرع
قال مرّة إيهود براك رئيس هيئة الأركان الإسرائيليّة سابقًا والحائز على أرفع الأوسمة العسكريّة، ورئيس الحكومة الإسرائيليّة الأسبق بما معناه: "لو كنت فلسطينيّا لكنت مقاومًا". طبعًا قامت قيامة الإسرائيليّين عليه حينها ففي نظرهم الفلسطينيّون إرهابيّون مخرّبون، وبغضّ النظر فهذا لا يُنقص من معاني مثل هكذا قول من صاحب مثل هكذا قول!
المتابع ما يُكتب أو يُقال عن الشرع ليس بحاجة لـ "فراسة" زائدة كي يرى أنّ غالبيّتَه ليست براءً من الهوى، فاختزال كلّ ما يفعل بالقول: إنّه أداة تحرّكها قوى إقليميّة وعالميّة هو تسطيح، ومن الناحية الأخرى كلّ من يراه المنقذ المقدام المنتظر فرؤيته غرضيّة. بعيدًا عن ذلك، وبغضّ النظر عن انتماء الشرع الفكري وبراءتي من الهوى تجاهه من عدمها، أقول: إنّ اختيارات الشرع حين كان بطور أبو محمّد الجولاني تُسجّل له؛ ذاتيّا وموضوعيّا، فمن الناحية المبدئيّة؛ لماذا من يختار أن يقاوم الحاكم الظالم ويقاوم عدوّ الأمّة بطريق معيّن تُعلّق على صدره الأوسمة؟! ومن يختار طريقًا آخر تعلّق له "المشانق" وأوّلا على يد شركائه الموضوعييّن في المقاومة؛ وأقصد أولئك الذين رأوا في الأسد الشرّ المطلق، ولم يروا غضاضة في التحالف ضدّه مع الشيطان ولو موضوعيّا؟!
الوقفة الثالثة... وشرعيّة الشرع
صحيح أن وصول الشرع إلى سدّة الحكم في سورية تشوبه الكثير من التساؤلات، ولكنّ الحقيقة الميدانيّة البائنة فإنّ الشرع يحظى بتأييد غالبيّة الشعب السوري وعينيّا سنّته العربيّة ويسيطر على غالبيّة التراب السوري. أحلام اليقظة في الدويلات الوهميّة الطائفيّة وحتّى العرقيّة لبعض مكوّنات الشعب السوري لا تغيّر من هذا الواقع، ولن تغيّر من ذلك مستقبلًا ما دامت هذه الأكثريّة مع الشرع، وحقّ الأكثريّة لا يسقط ما دمنا نرى أن الاحتكام للأكثريّة هو الأمثل. ولن يغيّر من ذلك شكل وصول هذه الأكثريّة إلى سدّة الحكم ورأيِنا فيها وفي أطروحاتها وأفعالها، التغيير يأتي حين تتشكّل أكثريّة بديلة، والمستقبل المرئيّ لا يبشّر بذلك في المشهد السوريّ!
سأسترجع في هذه الوقفة ما كنت وقفت معه مرّة، لا حتّى أقول: "قلت!"، وإنّما لما أراه من رابط بين ما كان وما سيكون في سورية "الشرع"؛ كلّ استهانة به فيها قراءة غير صحيحة للمشهد، لن تورد أصحابها السوريّون وغيرهم إلى مطرح. كلّ من راهن منذ العام 2011 أن سورية بعد الأسد ستكون سورية العلمانيّة – المدنيّة كادّعاء المعارضة الوطنيّة التي لم تقبل على مدى الأزمة أيّ طرح مغايرٍ ولا حتّى التفكير في أنّ البديل الحتميّ للأسد هو القوى الإسلامويّة، ووصَمتْ كلّ من قال بهذا، بالـجهل أو الحيدة عن سواء السبيل في أضعف الإيمان، كلّ من راهن أسقط الميدان رهانه؛ فالقول الفصل أبدًا للميدان لا للاجتهادات؛ لا في قاعات المؤتمرات في الفنادق ولا على وسائل التواصل الاجتماعيّ!
يوم انتخب الشعب المصري محمّد مرسي رئيسًا كنت كتبت (حزيران 2012) مقالًا حمل العنوان: "مبروك لمصر انتخاباتها... أمّا بعد!" قلت فيه: "أثبتت التطورات التاريخية وعلى الأقل في القرنين الفائتين أن الديموقراطيّة اللبراليّة التداوليّة على علّاتها هي النظام الأكثر قبولا لدى الشعوب وللشعوب، ورغم أنها أتت كذلك بمصائب كما هتلر والنازيّة في ألمانيا، وخصوصا أن الديموقراطيّات المركزيّة؛ الاشتراكيّة منها والقوميّة، قد فشلت بعد أن لم تُطبّق ميدانيا جوهرها نظريّا." وأضفتُ:
"لو خيّرتَ أي شعب في العالم بين حكّام يحكمونه "ليس تداولا" ويوفرون له لقمته وحريّة كلمته وطموحاته القوميّة، وحكام يحكمونه "تداولا انتخابيّا حرّا" ولا يوفرون له لقمته وحريّة كلمته وطموحاته القوميّة، لاختار الأُوَل. لذا فبعد الانتخابات المصريّة وفوز د. محمد مرسي الإسلاميّ ديموقراطيّا، وبغض النظر أنه حاز عمليّا فقط على %25 من أصحاب حقّ الاقتراع في مصر وهذه إحدى علّات هذه الديموقراطيّة، أمامه تحديّات كثيرة ولكن أهمها ثلاثة: الحريّة واللقمة والطموح القوميّ، والترتيب ليس حسب الأهميّة."، وأنهيت: "ومع هذا سننتظر د. محمد مرسي وعلى الأقل لأنّه الخيار الانتخابيّ للشعب المصريّ... ومبروك لمصر انتخاباتها."
الوقفة الرابعة... والبدلات وشعرة معاوية
حين خلع الجولاني الـ "جبّة" (بعضَها) يوم تولّى رئاسة "دولة إدلب" وأقام حكومة ومؤسّسات كذلك يُسجّل له، ومرّة أخرى بغضّ النظر عن أدوار اللاعبين ونواياهم ودورات التأهيل التي خصّوه بها، فاستيعابه تلك الأدوار لا يُستهان به ونجاحه بدورات التأهيل كذلك يسجّل له. وحين خلع لباسه الزيتيّ في القصر الجمهوري وبدّله بأفخر الـ جرافات والبدلات الإيطاليّة من آخر صرعة في الـ "موضة" العالميّة، أتقنها واستحقاقاتها الشكليّة أيّما إتقان. (يُقال على ذمّة البعض: إنّ هنالك مدبّرة منزل أميركيّة في القصر الجمهوري!).
بشّار الأسد وحين اعتقد أنّ الأمر استتبّ له بعد الـ 2018 ظلّ شادّا الشعرة بغباء قلّ مثيله فانقطعت ولم يجد ما يتشبّث به فطار. الشرع حتّى الآن يلعب بالشعرة مرخيّة وفي بعض الحالات حتّى تكاد تفلت، أميركيّا، وإقليميّا عربيّا- إسلاميّا، وإسرائيليّا.
الوقفة الخامسة... وَ "رأس أخوه لأخوي احمِيد"
إذا كان هنالك من يعتقد أنّ غياب اتّفاق رسميّ بين الشرع وبين إسرائيل هو بيت القصيد، بباريس أو دون باريس، فهو واهم. الاتّفاق قائم والميدان الشاهد، وقع في الفخ في باكو أم لا يقع (وأنا من المؤمنين أنّه وقع) فهنا في الميدان بيت القصيد:
أ_ إسرائيل تسرح وتمرح مثلما يحلو لها في مناطق فصل القوّات حسب اتّفاق 1974 ومناطق ما بعدها، وهذا لا يقضّ مضجعه.
ب_ هو الضامن للجزء الجنوبيّ من شريط العزل (سياج إسرائيل) في القنيطرة وأريافها ودرعا وأريافها، وهو قائم بالمهمّة خير قيام وهذا ما تمّ التوافق عليه في باكو. كلّ من رأى قوى أمنه الذاهبة من هذه المنطقة إلى الشام لاحتفالات الذكرى السنويّة الأولى لاستيلائه على الحكم والعائدة منها هاتفة أمام الحواجز الإسرائيليّة، كلّ من رأى ذلك وفي رأسه بعض بصيرة يعرف المهمّة المناطة بأولئك في تلك المنطقة؛ بتوقيع اتّفاق أو بدون توقيع اتّفاق.
ت_ وأمّا "دولة الباشان العظمى" فهي ورقة رابحة في يد الشرع يلعب فيها على "طاولة شطرنج" مع إسرائيل، وكشأن اللاعبين الماهرين اللعبة ستطول إلى ما شاء ذلك اللاعبان والحَكم المتمثّل في "المندوب السامي" الأميركي.
الكهرباء والوقود والطحين و ... و ... مفاتيحها في الشام يلعب فيها الشرع على هواه، والمقابل حسب تقرير "واشنطون بوسط" الأخير (بالمناسبة لم نكن بحاجة لهذا التقرير اللهم إلّا في بعض التفاصيل) فمفتاح هذا المقابل هو في تل – أبيب. كتبت مرّة أنّ لدى "أبناء عمومتنا" قولٌ مفاده: "دعهم يُطبخون في مرقتهم"، لا أعرف إن كان أصلانيًّا عندهم أم "لطشوه" كما عادتهم من تراث شعوب أخرى، وبغضّ النظر فهذا هو القاسم المشترك بين إسرائيل والشرع؛ فليُطبخ أهل دولة الباشان بمرقتهم!
تحضرني حكاية "احمِيد" ابن بلدنا، فهذا كان له أخٌ غير شقيق من أبيه وآخر غير شقيق من أمّه؛ أبناء لعائلتين خصمين يا ما "ولّعت" بينهما "الطوشات" كجزء من تراثنا العريق. في إحدى هذه الطوشات "أكل" أخو احميد لأمّه حجرًا شجّ رأسه فسال دمه، فما كان من أخو احمِيد لأبيه إلّا أن صاح فرحًا: "آخ خ خ يا راس أخوه لأخوي احميد!"
ربابنة إسرائيل "كلّ ما دقّ الكوز في الجرّة" تراهم يصرّحون: "إنّنا لن نسمح للشرع أن يمسّ أخوة (دروز سورية) أخوتنا (دروز إسرائيل)، هكذا أخوة أخوتنا، يا لهذا النبوغ اللغوي الفذّ!
الوقفة السادسة... والدُّردار
بالأمس القريب شاهدت فيلمًا يرصد أحوال الناس في سوق السويداء، الفيلم من انتاج وسيلة إعلام "باشانيّة" غير معادية، لإظهار معاناة الناس أمام الرأي العام كما كان يعلّق المنتج المخرج. من الناس الذين قابل المخرج؛ بائع نبات دُّردار جمعه كقوله من أطراف بلدته جاء به إلى السوق علّه يجمع قوت يومه، وقال: "والله علينا الكلفة للكيلو 13 (هكذا ما عرفت 13 ماذا؛ ألف ليرة واللا مليون) وحتّى بـ 10 ما ماشي معنا...".
فالله يجيركم يا أهل السويداء والمهجّرين منكم من مرارة الدُّردار!
الوقفة السابعة... ونقطة الّا - عودة
كلّ الأطروحات أعلاه مجتمعة أو منفردة توردنا عقلانيّا إلى الاستنتاج أنّ التطوّرات في السويداء لم تبلغ نقطة اللاعودة موضوعيّا ولن تبلغ. رغم "الطبيخ بالمرقة"، أو "حكاية احميد"، أو "الدردار". وشعارًا؛ السويداء لم تذهب حتّى تعود، وما "الباشان" ولا "التلمود" مرجعها إلّا أضغاث أحلام يقظة أو كوابيس ليل، إن لم يذرُ بها الانتماء العريق المعمّد بالمرجعيّة الانتمائيّة العروبيّة والمرجعيّة الثقافيّة الإسلاميّة، سيذرو بها الواقع كما تذرو الصحوة بأحلام اليقظة والفجر بأحلام الكوابيس. شعارًا كان هذا أو هوىً فالقراءة العقلانيّة للميدان أقوى من كلّ الأحلام، ولعلّ في "المرقة" وما تعنيه، وَ "حكاية احميد" وما تحويه، وَ"الدّردار" وما فيه، البيّنة القاطعة.
الوقفة الثامنة (شطحة!).. والمقاومة كقيمة
يوم 26 آذار 2011 غداة انطلاق الصدام في درعا كتبت مقالًا تحت العنوان: "هل ستشفع للرئيس الأسد ممانعته ومقاومته؟!"، قلت فيه فيما قلت: " الإصلاح في سوريّة وفي كل المجالات وبالأمس قبل اليوم ضرورة موضوعيّة تأخرت القيادة السوريّة في إطلاقه وتأخر رئيسها كثيرا منذ أن وُلّي، ورغم ما قيل عن تولّيه، جاء خطاب القسم مبشّرا ولكن البشرى التي حمل تأخّرت كثيرا وغير مبرر هذا التأخر لا بسبب الحرس القديم ولا بالتحديّات التي واجهتها سوريّة في العقد الأخير التي على ما يبدو زاده تخطيها ثقة في النفس غيّبت عنه الحاجة الماسة لتنفيذ خطاب قسمه. وتابعت:
بغضّ النظر عمّا يمكن أن يُفهم من أقوالي أعلاه وما يمكن أن ينتج عنها من تصنيف لي ومن "المعسكرين" (الموالاة والمعارضة)، ولكن ما يشغلني في هذا المقال على الأقل ليس هذا وإنما السؤال عنوان المقال: "هل ستشفع للرئيس الأسد ممانعته ومقاومته؟!" وأضفت: "فهل نحن في صدد سقوط هذه القيمة أم أنها لم تكن من الأساس إلا محض قيمة خياليّة أو تخيّليّة. وأضفت:
"الحريّة واللقمة الكريمة وقطع دابر الفساد لن تتم ولن تكتمل إلا إذا مهرتها قيمة المقاومة، والمقاومة لن تبقى قيمة إلا إذا أعطت المقاومين الحريّة واللقمة الكريمة والتحرر من الفساد، خصوصا وما زلنا بحاجة لها لا بل زاد احتياجنا لها وبالذات على ضوء الهبّات والثورات وما يترصّد بها من الأعداء داخليين قبل الخارجيين."، وأنهيت:
"وهنا ما زالت أمام القيادة السوريّة الفرصة للحفاظ على هذه الراية-القيمة مرفوعة، والحفاظ عليها لن يجيء إلا إذا زُيّنت رايتها وحالا بقيم الحريّة بكل معانيها واللقمة الكريمة بكل أنواعها وقطع دابر الفساد بكل أوكاره. فبهذا الثالوث الحريّة واللقمة الكريمة ودك أوكار الفساد، مزيّنا الراية ستبقى المقاومة قيمة وتبقى شفيعا لأصحابها..."
فهل سيتّعظ الشرع مقاومًا كان أم مساومًا خصوصًا وقد صارت همومه رُباعًا، إذا ضيفت إليها قطعان سوائبه؟!
أراه سيفعل!
فلا يستهيننّ أحد به.. ومن هذا الباب جاءت في العنوان الـ "الله يُستر"، فهي اتقاء مسبق لي من شرّ دعوتي عدم الاستهانة بالشرع؛ التي ربّما تُفرِغ حِمْل "خُرْج" المزايدين من المسبّات على رأسي، وهذا لا ضير فيه، فالأهمّ؛ اتقاءً من ملامة عقلانيّين غير مزايدين!
سعيد نفّاع
أوائل كانون الثاني 2026