
















اهلا بقلم: رانية مرجية في زمنٍ باتت فيه الثقافة عرضة للتسليع، وتحوّل الفن في كثير من السياقات إلى وسيلة للظهور السريع، تبرز تجربة أسامة مصري بوصفها نقيضًا هادئًا لهذا المنطق. فهي تجربة لا تُبنى على الادّعاء، ولا تُختصر في منجزات قابلة للإحصاء، بل تتشكّل عبر مسار طويل من الالتزام الإنساني، حيث يصبح الفن نتيجة طبيعية للأخلاق، لا بديلًا عنها. الإنسان بوصفه نقطة البداية من يعرف أسامة مصري عن قرب يدرك أن حضوره الإنساني يسبق أي تعريف مهني. هو إنسان للإنسان، بالمعنى العميق للكلمة: الفن كامتداد للأخلاق في تجربته، لا ينفصل المسرح عن منظومة القيم. العمق الصامت ثمّة عمق في تجربته لا يطلب الانتباه. مسرح العلاقة لا مسرح المنصّة المسرح عند أسامة مصري ليس خشبة مرتفعة وجمهورًا في الأسفل، بل علاقة أفقية، تقوم على الثقة والاحترام المتبادل. البناء بدل النجومية في مشهد ثقافي يميل إلى الفردانية، اختار أسامة مصري العمل على بناء البنية التحتية للثقافة: الدعم بوصفه فعلًا أخلاقيًا الدعم في قاموس أسامة مصري ليس فعلًا موسميًا ولا مشروطًا. الصداقة والأخوّة كقيمة على المستوى الشخصي، لا تنفصل إنسانيته عن علاقاته. تجربة محلية بروح كونية على الرغم من تجذّر تجربته في مكان محدّد، فإنها تحمل قابلية عالية للعبور الثقافي. الفن كمساحة أمل في عالم تتكاثر فيه الانكسارات، يصرّ أسامة مصري على الإبقاء على مساحة للأمل، لا بوصفه وهمًا، بل كفعل مقاومة هادئة. خاتمة: قيمة تتجاوز المنجز الكتابة عن أسامة مصري ليست احتفاءً بشخص، بل تأمّلًا في نموذج نادر: في معايير الصحافة الثقافية العالمية،
اسامة مصري: سيرة الإنسان حين يتقدّم الفن خطوة إلى الخلف
إنسان يرى في الآخر قيمة بحد ذاته، لا وظيفة ولا وسيلة.
هذه الرؤية لا تُقال في خطب، بل تُمارس في التفاصيل الصغيرة: في الإصغاء الصادق، في الدعم غير المشروط، في القدرة على الاحتواء دون امتلاك، وعلى الإرشاد دون وصاية.
أسامة مصري لا يتعامل مع الفن كمساحة استعراض ذاتي، بل كمسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع والذاكرة والإنسان الهشّ. لذلك، تأتي أعماله خالية من الخطابة، بعيدة عن الشعارات، وقريبة من الجوهر: الإنسان في ضعفه، وتناقضه، وقدرته على الصمود.
عمق يتشكّل عبر التراكم، لا عبر الصدمة.
هو من أولئك الذين يعرفون أن المعنى الحقيقي لا يُفرض، بل يُكتشف، وأن الأثر العميق لا يحتاج إلى ضجيج. لذلك، تترك أعماله أثرها على مهل، وتبقى في الذاكرة أطول مما تبقى في الأخبار.
هو يرفض التعامل مع الجمهور كمتلقٍ سلبي، ويصرّ على إشراكه وجدانيًا وفكريًا، لا عبر الإبهار، بل عبر الصدق.
في هذا السياق، يتحوّل العرض المسرحي إلى تجربة إنسانية مشتركة، لا إلى منتج ثقافي استهلاكي.
تأسيس مساحات، دعم مبادرات، وفتح الأبواب أمام أصوات جديدة.
لم يسعَ إلى تكريس ذاته مركزًا، بل عمل على تفكيك المركزية نفسها، إيمانًا منه بأن الثقافة الحيّة تُبنى بالجماعة، لا بالنجوم.
هو دعم نابع من قناعة عميقة بأن المعرفة والخبرة تفقد معناها إن لم تُشارك.
كثير من الفنانين الشباب، والكتّاب، والممثلين، يدينون له بلحظة ثقة غيّرت مسارهم، حتى وإن لم يُذكر اسمه في العلن.
وهنا تكمن إحدى أكثر سماته ندرة: العطاء بلا انتظار مقابل.
هو صديق حقيقي، وأخ عزيز، وحضور يُشبه الاستراحة في عالم مرهق.
صداقته ليست مصلحة، وأخوّته ليست ظرفية، بل امتداد طبيعي لقيمه في الحياة والفن.
في حضوره تخفّ الأحمال، وفي غيابه يُفتقد الاتزان.
أسئلته عن الكرامة، والهامش، والذاكرة، والعدالة، هي أسئلة إنسانية عامة، تتجاوز الجغرافيا واللغة.
لهذا، يمكن قراءة أعماله وفهمها في سياق عالمي، دون الحاجة إلى شروحات إضافية، لأن الإنسان فيها هو المرجع الأعلى.
أمل في الإنسان، في الحوار، وفي قدرة الفن على إعادة ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.
نموذج الفنان الذي لم يفقد إنسانيته،
والمثقف الذي لم يتعالَ على الناس،
والإنسان الذي اختار المحبة موقفًا.
هذه ليست سيرة فنية فقط،
بل شهادة على أن أعمق أشكال الفن… هو أن نكون أكثر إنسانية