
















اهلا صوت الكلمة__ الصوم الكبير
عفيفة مخول خميسة _معليا
لأنّي صرتُ أخاف السير على شارع الخبر السريع، مشيتُ على رصيف المساء أُهمهم وجعي... وبدون سابق إشارة التقيتُ اللغة رفيقًا لا يقذف خبرًا يعمي البصر! فاستوقفتني مساجلة محبّبة دارت بين جذور الأفعال والمشتقّات منها... ومنها المصادر الموزونة قياسيًّا، وهي حكر على المزيدات، ومنها المصادر السماعيّة، وهي حكر على المجرّدات. وكلّ فئة منها تذهب باتّجاه صرفيّ مختلف. ويدفعني فضول الهاوي لتتبّع مسار الأفعال المجرّدة!
هنا، بعيدًا عن قرقعة الميادين، تطلق الأفعال المجرّدة مصادرها بأكثر من اتّجاه. ولفتني أنّ شعبة منها، تنفرد بمصدرين: نظريّ وعمليّ، واجتذبتني الأفعال اللازمة التي تنطوي على فكرة، أو مفهوم، مثل: نَدَم_ ندامة، عَتَب_ عِتاب، صَوْم_ صِيام. وأفهم من هذا أنّ الندَم والعتَب والصوْم هي مصادر نظريّة تدلّ على الفكرة، بينما الندامة والعتاب والصيام هي مصادر عمليّة تدلّ على تنفيذها فعليًّا. (هاربة من الأفعال المتعدّية، تجاهلتُ "قَتَلَ" (قتْل، قِتال).
صدف أن كان هذا في زمن "الصوم الكبير"، ومدّته أربعون يومًا قبل موعد الفصح لدى الطائفة الكاثوليكيّة، وقد تزامن هذا العام مع صوم المسلمين شهر رمضان. منظمّة لقافلة الصائمين تساءلت: هل تراني أصوم احترامًا وتنفيذًا لوصيّة كنَسيّة؟ أم اقتناعًا بالجوهر الذي ينطوي عليه مفهوم الصوم؟
لم أُجرِ معي تحقيقًا دقيقًا... فالاقتناع بالفكرة وافد إليّ من خلال صداقتي العتيقة المتينة باليوغا، بينما انحدر فيّ قبل هذا، ضمن رزمة انتماء موروثة ذات مروحة واسعة ومتماسكة؛ البيت ومبناه التربويّ، البيئة ومبناها الثقافيّ، المجتمع وخصائصه العقائديّة. وهي (الفكرة) في كلتا الحالتين تصوّب على صحة الإنسان جسديًّا ونفسيًّا/ روحيًّا.
وبينما جاء الصوم في الديانات السماويّة فرضًا، أو وصيّة، انتشر مع اليوغا عقيدة دنيويّة صحيّة، شاملة ومتكاملة، تحوّلت مع المراس إلى خيار. والأصل فيها بحث عن ضابط إيقاع السلام بين النفس والجسد، ولكلّ منهما أهواء كثيرًا ما تتنافر. والسلام المرجوّ لا يتحقّق إلّا بالتناغم المطلق بين النزاهة الفكريّة، السموّ الورحيّ والتعفّف الجسديّ. من هنا أرست اليوغا الإيمان بأنّ "الجسم السليم في العقل السليم"، خلافًا للرائج في القاطع الآخر، خارج حدود منشئها، الهند.
القبض على الصوم كفكرة قبض على جوهرة مصقولة بحرَفيّة عالية. وأكاد أرى فيها منحوتة فلسفيّة تتوافق مع تطلّعات المجتمعات، مذاهبها الفكريّة ورؤاها الروحيّة. ويكون الصيام ترويضًا عمليًّا للغرائز الماديّة، وكابحًا وقائيًّا من انزلاقاتها. وعليه يكون الصائم قد ساهم بخلق توازن مقبول بين نزعاته الأرضيّة وآفاقه الروحيّة. أمّا فيما عدا ذلك، فهناك مكسب تربويّ خفيّ بالغ الأهميّة، وهو الإحساس بالتفوّق من حيث القدرة على الترفّع، والتكيّف مع الصعاب.
قبل عودتي من هذه الجولة ذكّرتُ باطن كفّي بموعد مع المصدرين: "نَدَم" و"ندامة"، العائدين لشبكة مفاهيم العناية بتهذيب الذات، وتنقية جسدها من عوالق الحياة الموروثة، وشائباتها المكتسبة.
وما اخترتُ النَّدَم وتجاهلتُ العَتَب إلّا لأنّ هذا يراعي الخصوصيّة المطلقة، وبالتالي يكون أكثر صدقًا ووضوحًا ومباشرة، بينما يكون ذاك عرضة للّف والدوران. أما أنّ العتاب "يغسل القلوب"، فمسألة فيها نظر. إذ غالبًا ما يقوم على المحاباة، فلا يزيد فاعليّة عن مرهم مسكّن، أو ضمّادة تستعمَل لمرة واحدة. ولا فائدة منه ما لم يسبقه ويدعمه نَدَم!