
















اهلا زهيرةٌ ترنّمُ آذار
عفيفة مخول خميسة_ معليا
قلبُ أُمّي قيثارةٌ في قلبِ كوخٍ في قلبِ مغارةٍ في سفحِ جبل، نوازلُها مدامعُ نجمةٍ تُرنّمُ الأرضَ آيات... وصواعدُها شموعُ بلورٍ بحبالِ السماءِ معلّقات...
هناك روحُ أُمّي سكنت، ولم تزلْ نجمةً سيّارةً خجولةً تدورُ في أرجاءِ البيت درْجَ حجلةٍ، نبضُها جرسٌ يرنُّ في فضاءِ آذارَ حنوَّ عودٍ يحاكي شجنَ الأصيلِ! ويشعلُها سراجًا يرجّعُ سجعَ مطوّقةٍ تهدلُ والمبيتَ مزمورَالبيات!
وإذا التاريخُ كتابٌ كاسرٌ يفترسُ دروسَ الإنشاء! وتُبعثُ عصفورةُ المساءِ أُمّي عاصفةً تطرقُ بابَ الليلِ نقرَ ريشةٍ تدغدغُ خدَّ صفحةٍ تمسحُ الحالكات... ويلاقيها عريسُ الفجرِ صبوحًا يقطّرُ من عيونِ الندى دموعَ حُبٍّ، تطبعُها شفاهُ قلبِهِ على حائطِ النورِ قبَلًا مرنَّمات. فهل كانَ بوسعِها ألّا تنحني الصلاة!؟ وهل كان نقشها على وجهيْ كفِّ الحياة ليمّحا من عيونُ الدعوات؟!
عينُ أُمّي مرآةٌ تجوهرت بعشقِ أرضٍ تتراءى السماءُ فيها روضةً غنّاءَ تنشُدُ النقاء... من عزفِ منجلِها تستلهمُ ألوانَ طرحاتِها الفيّات، ومن رقّةِ نهداتِها تنشِدُ الرقَّةَ في صدورِها النايات.
أُمي شاعرةٌ خجولٌ؛ ما حلّى زندَها سوارٌ، أو دغدغَ رسغَها خلخال، ما تقلّدت لؤلؤةً، أو تقرّطت بنفيسةٍ تحجّرت في بطنِ الدهور. فهي فوّارةُ كوثرٍ تدفقُ منها القوافي أحلامًا ربيعيّةً، عبّةٌ منها مضغةُ شهدٍ من "قشطةِ" البركات...
لأُمّي في مقصوراتِ الشروقِ أطباقُ ياسمين... وفي قصورِ الشوكِ مواويلُ حريريّةُ التنوين... وفناءُ مزارِها مقهى أحلامِ الشوادي... ومائدةٌ لحاملاتِ طيبِ آذارِ البساتين... وأبوابُ بلادي ستائرُ من عتمٍ تزيحُها رياحُ المروجِ تعومُ أمواجًا منَ الرياحين... هنا الصريرُ رنينٌ يناظرُ رجعَ طنينِ شمسٍ تزفُّ لأجنحةِ الضلوعِ رحيقَ مدادِِ يسيلُ منَ السنابل... وتهبُّ شماليّةٌ تكتَبُ سفرًا من قانونِ حبٍّ عمّرَ لضميرِه كوخًا شاهقًا متواضعًا صلبَ النجادِ... وتسمعُ صدى همسِهِ الآفاق: "فلْتَعْمَ عيونُكَ يا الخفّاش! ولتصهلي يا رياحُ في كلِّ وادي... وتغرّدي يا شحاريرُ فيها شجونَ الشجر... فلتشربي يا نجومُ نخبَ عشّاقِ القمر. وترقّصي يا دفوفُ أقدامَ الحروفِ في ملاعبِ الأولادِ"!
قلبُ أُمّي هيكلٌ لم يصطبغْ بالسواد! صفيّةُ نفسٍ أغناها عنِ التشكّي الرجاء... فأحلّتْ لها شمسُ الجبالِ الصلاةَ وقوفًا للسماء... فلم تركعْ، وهي القِدْرُ ما خبت تحتها نارُ الفصول... ومنديلِها مفرَشٌ للريشِ يجنُّ مع الريحِ، ولا يعول كلّما أنَّ كنارٌ سجينُ المحرّماتِ، وحنَّ لنقرةِ غزلٍ من ثغورِ الصبحيّات...
كفُّ أُمّي بيدرٌ شتويٌّ تدورُ عليه حكايةُ العمل... وصيفيٌّ بدايتُه حبةٌ تنتهي بصاعٍ يعرّمُ الأمل... ويصيرُ كوخُ مغارتِنا قريةَ نملٍ لا يفهمُ الفشل... وكيف يفهمُهُ وحواصلُه مساكنُ أنفسٍ في خلاياها كلُّ ما لذَّ وطاب؟! فإذا ما تشقّقَ وجهِ الترابِ ردَّ عودُها على انحباسِ الغيمِ ساخرًا: "بسيطة! الموسم عالباب"!
فهذه بنتُ بلادي! ترابيّةُ النوى جبليّةُ الهوى، من قبضتِها كانَ لونُ الخضاب... وكانَ الكتابُ/ ديوانُ الشِّعْرِ مختصرًا بزيتونةٍ بقيعيّةٍ ذابت في مناهلِها ترانيمُ الخريرِ، وغابت... وما انحنت للسحاب!