















اهلا-ناضل حسنين حين يتحول الدعاء إلى مرآة عجز
في ليلة القدر، وعند انتصاف الليل، جلست أتابع خطيب المسجد الحرام في مكة المكرمة عبر شاشة التلفاز في بث حي ومباشر. كان صوته يعلو في فضاء مزدحم بالخشوع، يردد: ربنا... اللهم... ربنا... اللهم... بإيقاع متواصل يشبه موجًا لا يهدأ. غمرتني في البداية رهبة المكان وقداسته، لكن شيئًا في داخلي أخذ ينتبه إلى ما يتسلل بين الكلمات، هذا السيل من الدعاء لم يكن مجرد ابتهال، بل قائمة طويلة من الطلبات التي لا تنتهي على مدار نحو ساعة ونصف متتالية.
لاحظت ان الخطيب يطلب كل شيء: الصحة، والذرية، والرزق، والنصر، والستر، والطمأنينة، والنجاة، والجنة. لم يترك بابًا إلا طرقه، ولا حاجة إلا أحصاها. وبعد دقائق شعرت أني لا أسمع صوت إيمان بقدر ما أسمع أنين عجز. لم ألمس في الدعاء طاقة شعب يؤمن بنفسه، بل صورة مجتمع يرفع يديه ليطلب ما يفلت من بين يديه كل يوم.
نطلب الصحة، ونحن نعرف كم نهمل أجسادنا، وكم نؤجل الفحص، وكم نستخف بأبسط قواعد الوقاية. نطلب الرزق، بينما كثيرون منا ينتظرون الفرصة ولا يصنعونها، ويشكون ضيق الحال وهم يرفضون تعب الطريق.
نطلب العلم، لكننا نهجر الكتاب، ونختصر المعرفة في عناوين سريعة، ونخاف من جهد التفكير. نطلب النصر، بينما لا نتقن ترتيب بيتنا الصغير، ولا نجيد عملنا اليومي، ولا نحترم الوقت الذي يمر أمامنا كأنه لا يعنينا. نطلب كل شيء، وكأن الطلب نفسه أصبح بديلاً عن الفعل.
ربما لم يلحظ كثيرون ما لاحظته، لأن موجة التماهي الإيماني صنعت حولهم غلالة من الخشوع تشبه النشوة، لكني شعرت أننا نحمل إلى الله قائمة حساب مفتوحة منذ سنوات، نضيف إليها كل عام بندًا جديدًا، دون أن نحذف بندًا واحدًا عالجناه بأنفسنا.
في لحظة ما، لم يعد الدعاء تعبيرًا عن ثقة، بل تحول إلى نوع من التبرير الصامت: ما لم نحققه لغاية اليوم، لم يشأ الله لنا أن نحققه، وما تأخر، كتب الله له أن يتأخر، وما فشلنا فيه، نعيده إلى السماء بدل أن نعيد النظر في أنفسنا. هكذا نغلق الدائرة بإحكام، ونرتاح من سؤال بسيط: ماذا فعلنا نحن؟
لسنا بحاجة إلى دعاء أطول، بل إلى وقفة أقصر وأكثر صدقًا مع أنفسنا. الأمة التي تطلب القوة ولا تبنيها، تشبه من يقف أمام باب مغلق ويكرر الدعاء دون أن يمد يده إلى المقبض. والتي تسأل عن الفرج ولا تفتح نافذة، ستبقى تنتظر الهواء وهو يمر من فوقها.
ولو استمع غريب إلى هذا الدعاء ولم يعرفنا، لظن أننا نعيش عند حافة البداية.. في القرون الغابرة، لا في منتصف الطريق، ننتظر من السماء أن تمد لنا السلم، بينما السلم موضوع أمامنا ونرفض أن نصعد عليه.
ربنا لا تؤاخذنا… لكن الذي فينا ليس قليلًا، وهو بالتأكيد لا يصلح بالدعاء وحده، بل بيدٍ تعمل بقدر ما تدعو.