
















ننتخب الرصيف… فمن ينتخب الوطن!؟ بقلم: المهندس غسان جابر في بلاد العالم، تذهب الشعوب إلى الانتخابات لتختار حكوماتها. وهذا فرق بين شعب يمارس الديمقراطية، وشعب يفتش عنها. الانتخابات المحلية التي جرت مؤخرًا مهمة، ولا أحد عاقل يقلل من شأنها. فالبلدية ليست أمرًا صغيرًا. هي الشارع الذي تمشي فيه، والماء الذي يصل بيتك، والضوء الذي ينير الحارة، والنفايات التي تُرفع أو تبقى شاهدة على الإهمال. وهي، في كثير من الأحيان، آخر مؤسسة يشعر المواطن أنها ما زالت قريبة منه. لكن الخطر يبدأ حين نحاول أن نجعل من الانتخابات المحلية بطولة وطنية كبرى، أو شهادة شرعية مطلقة، أو تعويضًا عن الغياب الطويل للانتخابات التشريعية والرئاسية. فالبلدية مهمة… نعم. نحن ننتخب من يزرع شجرة في الميدان، لكننا لا ننتخب من يقرر مصير الميدان كله. ومنذ ما يقارب عشرين عامًا، يعيش الفلسطينيون في هذا المشهد العجيب: صناديق صغيرة تُفتح أحيانًا، وصندوق كبير يبقى مغلقًا دائمًا. يُسمح لك أن تختار من يصلح حفرة في الطريق، لكن لا يُسمح لك أن تختار من حفر الحفرة السياسية كلها. أي مفارقة هذه؟ يُقال لك: مارس حقك الديمقراطي. فالحق الديمقراطي ليس نصف حق، وليس نسخة مختصرة، وليس تمرينًا بلديًا طويل الأمد. الحق الديمقراطي أن تختار مجلسك المحلي، وبرلمانك، ورئيسك، وأن تستطيع محاسبتهم جميعًا. وما عدا ذلك، يبقى استخدامًا محدودًا لحق واسع. ولهذا يجب أن نقول بوضوح: لا أحد يملك أن يبيع نتائج الانتخابات المحلية على أنها تفويض شامل. من يفعل ذلك يشبه من يربح مباراة تدريبية ثم يطلب كأس البطولة. الشرعية ليست صندوقًا فقط، بل شروط الصندوق أيضًا: أما إذا غابت هذه الشروط، وبقي الصندوق وحده، صار مثل واجهة محل جميلة… وبداخله رفوف فارغة. وفي الانتخابات الأخيرة ظهر مشهد لا يحتاج إلى محلل كبير لفهمه: حين تغيب السياسة، تحضر العائلة. حين يضعف الحزب، يقوى اسم العائلة. حين يختفي البرنامج، يظهر ابن العم. وهذا ليس عيبًا في الناس، بل إدانة للنخبة. الناس لا تنتظر السياسيين إلى الأبد. إذا خذلها الحزب، ذهبت إلى الأقرب. إذا غاب المشروع، اختارت المعرفة الشخصية. إذا تعبت من الخطب، بحثت عمّن يرد على الهاتف. وهكذا تتحول السياسة، شيئًا فشيئًا، من صراع أفكار إلى دفتر عائلة. والذين يقاطعون الانتخابات ثم يغضبون من نتائجها، يشبهون من يترك متجره مفتوحًا ثم يشكو من دخول الغرباء. المقاطعة قد تكون موقفًا في بعض الظروف، لكنها تصبح هدية مجانية حين تُقدَّم بلا خطة، وبلا بديل، وبلا قدرة على تعبئة الشارع. ومن ينسحب من الميدان لا يحق له أن يكتب بيانًا يشرح لماذا خسر المباراة. أما الأحزاب التي ما زالت تعيش على تاريخها القديم، فعليها أن تعرف أن الجماهير تحترم التاريخ، لكنها تنتخب الحاضر. الناس لا تصوّت للأرشيف. والسلطة التي تؤجل الانتخابات الكبرى ثم تحتفي بالصغرى، عليها أن تدرك أن المواطن يفهم أكثر مما يُظن. يعرف الفرق بين من يمنحه حقًا كاملًا، ومن يعطيه نسخة مجزأة ثم يطلب الشكر. أخطر ما في هذا المشهد ليس فوز هذا الطرف أو خسارة ذاك. أخطر ما فيه أن الشعب قد يعتاد النقص. أن يقتنع مع الوقت بأن الديمقراطية تأتي بالتقسيط. وأن الانتخابات، مثل المطر، مناسبة موسمية لا نظامًا دائمًا. إذا وصلنا إلى هذه الفكرة، نكون قد خسرنا أكثر من صندوق. الفلسطيني لا يحتاج دروسًا في الديمقراطية، بل يحتاج بابها مفتوحًا. لا يحتاج من يشرح له قيمة صوته، بل من يحترم هذا الصوت حين يطالب بانتخابات شاملة. نريد مجالس محلية قوية، نعم. إن الشعب الذي صبر على الاحتلال والانقسام والأزمات الاقتصادية، لا يعجزه صندوق اقتراع. الذي يعجز هو من يخافه. ولذلك تبقى الحقيقة أبسط من كل الخطب: إذا كنتم تثقون بالشعب، اذهبوا إلى الشعب. ننتخب الرصيف… نعم. م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.اهلا
وفي فلسطين، يذهب الناس أحيانًا إلى الانتخابات ليطمئنوا فقط أن حقهم في الاختيار لم يمت تمامًا.
لكن البلد أهم.
ثم يُحذف من الجملة أهم الكلمات.
حرية، تعددية، تنافس حقيقي، تداول منتظم، واحترام حق الناس في الاختيار الكامل.
لكننا نريد أيضًا مجلسًا تشريعيًا حيًا.
نريد بلديات ناجحة، نعم.
لكننا نريد أيضًا رئاسة تأتي بإرادة الناس لا بمرور الزمن.
نريد إدارة جيدة للشارع، نعم.
لكننا نريد قبل ذلك إدارة عادلة للوطن.
إذا كنتم تمثلون الناس، دعوا الناس يقررون.
إذا كانت لديكم شرعية، اختبروها.
وإذا كنتم تخشون النتائج، فلا تتحدثوا كثيرًا عن الديمقراطية.
لكن السؤال الذي يطرق كل بيت فلسطيني الآن:
متى ننتخب الوطن؟