
















اهلا حين يصبح الشارع أرحم من العالم في إحدى ليالي اللد، كانت شابة في الثانية والعشرين من عمرها تسير وحدها بلا وجهة واضحة. كانت تبدو خائفة من العالم، خلف ذلك المشهد المختصر، كان هناك تاريخ طويل من الصراع مع المرض النفسي، وسنوات من التصدع الداخلي الذي لا يراه أحد. فبعض البشر لا يهربون نحو الإدمان حبًا في السقوط، المرض النفسي لا يترك جروحًا ظاهرة دائمًا. وكان واضحًا أن تلك الشابة وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على الإمساك الكامل بخيط الواقع. وعندما حاول بعض المارة الحديث معها، لم تطلب مالًا، ولم تصرخ، ولم تبدُ عدائية. “أريد أمي…” وفي لحظات الانكسار الكبرى، تختصر جملة واحدة حياةً كاملة. فجأة، لم تعد تلك الشابة امرأة في الثانية والعشرين، الأم، في تلك اللحظات، لا تكون شخصًا… المشهد لم يكن مجرد فتاة شاردة في الطريق، كم من الأرواح تُدفع نحو الشوارع لا لأنها اختارت الضياع، وكم من الأشخاص الذين نختصرهم سريعًا بكلمات مثل “مدمن” أو “مختل”، تلك الليلة، لم تكن الشابة بحاجة إلى أحكام أخلاقية، لأن أكثر ما يقتل الأرواح المتعبة ليس المرض وحده، وربما كانت المأساة الأعمق،
رانية مرجية
في المدن التي اعتادت رؤية الألم، تمرّ المآسي الصغيرة بلا ضجيج.
وجوهٌ منهكة عند الأرصفة، عيونٌ شاردة تحت أضواء الليل، وأرواحٌ تتآكل ببطء فيما يواصل العالم سيره كأن شيئًا لم يحدث.
لكن بعض الحكايات تترك خلفها رجفةً لا تزول، لأنها لا تتحدث عن الضياع فقط… بل عن إنسانٍ فقد الطريق إلى الواقع نفسه.
لم تكن تمشي كمن يعرف إلى أين يذهب، بل كمن يحاول الهروب من شيءٍ يطارده من الداخل.
خطواتها المرتبكة، نظراتها القلقة، ارتباكها أمام الوجوه والأماكن… كلها كانت تقول إن معركةً قاسية تدور داخلها بصمت.
ومن نفسها أيضًا.
أما المخدرات، فلم تكن سوى محاولة يائسة لإسكات الضجيج داخل رأسها؛
هدنة قصيرة من الخوف، من الأصوات، من الفوضى التي كانت تبتلعها ببطء.
بل لأنهم تعبوا من محاولة النجاة.
لا يثير الدم على الأرصفة، ولا يسمع الناس صوته بسهولة،
لكنه يلتهم الإنسان من الداخل بهدوءٍ مرعب، حتى يصبح غريبًا عن العالم وعن نفسه معًا.
كانت تائهة بين الشارع وبين عالمٍ مضطرب يسكن داخلها،
وحيدة في مواجهة خوفٍ أكبر من قدرتها على الاحتمال.
قالت فقط بصوتٍ مرتجف، كأن الكلمات خرجت من عمق انهيارها:
بل طفلة ضائعة تبحث عن آخر مكان شعرت فيه بالأمان.
كانت تريد أمها لأن الإنسان، حين ينهار نفسيًا، يعود غريزيًا إلى أول معنى للحماية عرفه في حياته.
إلى الحضن الذي لا يسأل كثيرًا، ولا يطلب تفسيرًا للألم، بل يحتويه فقط.
بل وطنًا أخيرًا.
بل صورة موجعة عن هشاشة الإنسان حين يُترك وحيدًا أمام مرضه،
وصورة أشد قسوة عن مجتمعٍ لا يزال ينظر إلى المرض النفسي بوصفه وصمة، لا وجعًا يحتاج إلى رعاية واحتواء.
بل لأنها لم تجد يدًا تمتد إليها قبل السقوط؟
كانوا في الأصل بشرًا خائفين، أنهكتهم الحياة بصمت؟
ولا إلى نظرات شفقة عابرة.
كانت تحتاج إلى نجاة حقيقية؛
إلى من يراها كإنسانة قبل أن يراها كعبء أو مشكلة.
بل شعورها أن العالم كله توقف عن الإصغاء إليها.
أن بعض البشر لا يموتون دفعةً واحدة…
بل يختفون تدريجيًا، بينما يمرّ الجميع بجانبهم دون أن ينتبه.