X أغلق
X أغلق
الطقس
° - °
ترشيحا
° - °
معليا
° - °
بئر السبع
° - °
رام الله
° - °
عكا
° - °
يافا
° - °
القدس
° - °
حيفا
° - °
الناصرة
اسعار العملات
دولار امريكي
3.445
جنيه استرليني
4.1949
ين ياباني 100
2.5079
اليورو
3.6240
دولار استرالي
2.3021
دولار كندي
2.5184
كرون دينيماركي
0.4872
كرون نرويجي
0.3437
راوند افريقي
0.1994
كرون سويدي
0.3316
فرنك سويسري
3.6639
دينار اردني
4.8531
ليرة لبناني 10
0.0228
جنيه مصري
0.1398
اعلانات يد ثانية
تصفح مجلدات وكتب
الاستفتاء
مواقع صديقة

ليس كل وجع يُرى.

admin - 2026-07-07 14:09:15
facebook_link

اهلا

بقلم: رانية مرجية

ليس كل وجع يُرى.

بعض الأوجاع تمشي في الشوارع بهدوء، تشتري خبزها، وتذهب إلى عملها، وتبتسم في الصور، ثم تعود مساءً إلى بيت يحمل من الأسئلة أكثر مما يحمل من الأجوبة.

لهذا، كلما ذُكرت حيفا في الأخبار، أشعر أن المدينة تُختزل ظلمًا.

تظهر مرة بوصفها مدينة مختلطة، ومرة بوصفها مدينة ساحلية جميلة، ومرة بوصفها عنوانًا لحادثة أمنية أو جريمة. لكن قلما يُكتب عن الوجه الآخر؛ عن الفلسطيني الذي يعيش فيها وهو يحاول، كل يوم، أن يوازن بين حقه في الحياة العادية ووعيٍ لا يسمح له بأن ينسى أين يعيش.

ليست المشكلة أن يحمل الإنسان هويتين في مدينة واحدة.

المشكلة أن يضطر، أحيانًا، إلى شرح وجوده في المكان الذي وُلد فيه.

في حيفا، يبدو كل شيء طبيعيًا للوهلة الأولى.

المقاهي مزدحمة.

القطار يصل في موعده.

البحر يستقبل زواره كل مساء.

لكن المدن ليست واجهاتها.

المدن هي ما يختبئ خلف الواجهات.

وحين تصغي إلى الناس، تكتشف أن الحياة اليومية ليست دائمًا بالبساطة التي تبدو عليها.

الخوف هنا لا يعلن نفسه دائمًا بصوت مرتفع.

أحيانًا يظهر في الجملة التي لا تُقال.

وفي النقاش الذي ينتهي قبل أن يبدأ.

وفي الكلمات التي يختار الناس أن يحتفظوا بها لأنفسهم.

هذا النوع من الخوف لا تصنعه حادثة واحدة.

بل يصنعه التراكم.

تراكم التجارب.

وتراكم الإحساس بأن على الإنسان أن يكون أكثر حذرًا مما ينبغي وهو يمارس أكثر حقوقه بساطة.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يعيش أزمة.

بل أن يعيد ترتيب حياته كلها كي يتكيف معها.

أن يصبح الحذر عادة.

والصمت وسيلة حماية.

والتردد جزءًا من اللغة اليومية.

عندها، لا يكون الخوف قد انتصر لأنه أخاف الناس.

بل لأنه غيّر طريقتهم في العيش.

ولهذا، لا أرى حيفا مدينة تعيش وجعًا واحدًا.

إنها تخفي وجعين.

وجع ما يحدث.

ووجع محاولة الاستمرار رغم ما يحدث.

وربما يكون الوجع الثاني أشد قسوة.

لأنه لا يترك أثرًا في الصور.

ولا يدخل في الإحصاءات.

ولا تلتقطه الكاميرات.

لكنه يظهر في التفاصيل الصغيرة.

في أمٍّ تطلب من ابنها أن يعود باكرًا.

وفي أبٍ يحسب الطريق الآمن قبل أن يحسب الطريق الأقصر.

وفي شاب يؤجل حلمه، لا لأنه تراجع عنه، بل لأن الواقع فرض عليه ترتيبًا آخر للأولويات.

ومع ذلك…

لا تزال حيفا، كل صباح، تختار الحياة.

تفتح مقاهيها.

ويذهب طلابها إلى جامعاتهم.

ويمتلئ كورنيشها بالمارة.

كأن المدينة تقول إن الحياة، مهما ضاقت، لا تُسلَّم بسهولة.

وربما يبقى أجمل ما في حيفا أنها لم تسمح للألم أن يكون روايتها الوحيدة.

فإلى جانب الحياة التي يصرّ الناس على عيشها كل يوم، هناك إصرار آخر، أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا؛ إصرار على حماية الذاكرة، وصون الهوية، وترسيخ الوجود الفلسطيني في المدينة. يتجلى ذلك في الجولات التي يقودها نشطاء ومؤرخون لاستعادة حكاية المكان، وفي استمرار مهرجانات السينما المستقلة، والندوات والمحاضرات والأمسيات الثقافية التي تعيد سرد الرواية الفلسطينية وتمنحها حضورًا متجددًا.

ليست هذه الأنشطة ترفًا ثقافيًا، ولا مجرد مناسبات عابرة. إنها شكل من أشكال البقاء. فحين تُروى الحكاية، وتُحفظ الذاكرة، ويظل الناس يلتقون حول الثقافة والفن والفكر، فإن المدينة تدافع عن نفسها بطريقتها الخاصة.

لهذا، لا أريد أن أتذكر حيفا كلما وقع فيها حدث.

أريد أن أتذكرها لأنها مدينة تستحق أن تُرى كما هي.

لا كما تختصرها العناوين.

فالمدن لا تعيش بالأخبار وحدها.

بل تعيش بالناس الذين يصرون، كل صباح، على أن يبدأ يومهم رغم كل شيء.

ولذلك، ربما لا يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه عن حيفا:

ماذا يحدث فيها؟

بل:

كم يحتاج الإنسان من الشجاعة ليحافظ على حياته العادية في مدينة لا تسمح له الظروف دائمًا بأن يعيشها على نحو عادي؟

وربما يضاف إلى هذا سؤال آخر لا يقل أهمية:

كم يحتاج شعبٌ من الإيمان بذاكرته، حتى يحافظ على حضوره في مدينة يحاول أن يبقى فيها كما هو؟

لعل هذا هو الوجه الذي لا تلتقطه العناوين، ولا تنقله نشرات الأخبار؛ أن حيفا لا تقاوم بالحياة وحدها، بل بالثقافة أيضًا. ففي كل جولة تستعيد تاريخ المكان، وكل فيلم مستقل يُعرض، وكل محاضرة أو أمسية ثقافية تُقام، يتجدد الإصرار على أن يبقى الفلسطيني حاضرًا في مدينته، لا شاهدًا على تاريخها فحسب، بل صانعًا لمستقبلها أيضًا.



مواضيع متعلقة
اضف تعقيب

اسم المعلق : *
البلد :
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق الكامل :
تعقيبات الزوار
مواقع اخبار عبرية
مواقع اخبارية عربية
مواقع اقتصادية
مواقع رياضة
بنوك
راديو