
















اهلا-عدنان الروسان-عمان فائض القوة وحسابات الميدان... لماذا تراجعت واشنطن عن خيار الحرب
ترامب يفضل التعامل بهدوء مع إيران
هل وقع ترامب أخيراً في الفخ الذي نصبه له نتنياهو، أم أن صدمة الواقع الجيوسياسي كانت أقوى من خطط كسر العظم ، بين تحذيرات السي آي إيه من غرق بري وشيك، وخشية الجمهوريين من عقاب الانتخابات، يبدو أن واشنطن قررت البحث عن مخرج آمن يكتفي بشرارة هرمز ويترك إيران تحترق بأزماتها الداخلية.
أوردت وكالات الأنباء العالمية خبرين لافتين للرئيس الأمريكي ترامب في اليومين الأخيرين:
الخبر الأول: أن الرئيس الأمريكي قال: إنه يفضل التعامل بهدوء مع إيران.
والخبر الثاني: أن ترامب أخبر أعضاءً في إدارته بأنه يفكر جديًا في الانسحاب من الحرب كليًا بعد إنهاء مشكلة مضيق هرمز، وأنه يفكر بعدم الاهتمام بمناقشة باقي الملفات والمواضيع مع إيران لأنها لا تهمه.
ثم بعد ذلك أنهالت الأخبار والتحليلات التي ترى في هذه الأخبار تحولاً استراتيجيًا في مجمل السياسة الأمريكية في المنطقة، أو على الأقل في ملف الحرب مع إيران.
إذا اعتبرنا أن تصريحات ترامب حقيقية وليست مناورات سياسية تكتيكية كالمعتاد، فإن ذلك يدفعنا وبقوة إلى الاعتقاد بأن الخلاصات التي قُدمت للرئيس الأمريكي من المستويات السياسية والأمنية والعسكرية والاستخبارية كانت قوية الوقع فيما يختص باحتمالات العودة للحرب وما يمكن أن تتمخض عنه الحرب إذا ما وقعت...
نكرر ما قلناه في مرات سابقة من أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك فائض قوة هائلاً لا يُقارن بما تملكه إيران، وبالتالي فإن ميزان القوى من حيث النوع والكم يميل بشكل واضح لصالح أمريكا...
غير أن هناك معطيات أخرى كثيرة تحد من طموحات ورغبات الرئيس الأمريكي في إيران، وبالتالي فإن التصريحات والرغبات شيء، وما يقدمه الجنرالات في البنتاغون والـ (CIA) شيء آخر مختلف تمامًا.
تحقيق انتصار حاسم على إيران يحتاج إلى عمليات برية، ويخشى جنرالات الجيش من أن يصطدموا بوقائع تشبه ما اصطدموا به في أفغانستان أو ربما أشد؛ فإمكانية أن يتمكن الإيرانيون من القيام بعمليات أسر لجنود وضباط أمريكيين احتمالية كبيرة جدًا، وإن حصل ذلك فستكون أمريكا قد أوقعت نفسها في أسوأ موقف على الإطلاق.
إضافة إلى ذلك، فإن السيطرة على المراكز الحيوية والبنى التحتية الرئيسية أمر في غاية الصعوبة ويحتاج إلى مئات الآلاف من الجنود على الأرض؛ فمساحة إيران تتجاوز مليونًا ونصف المليون كيلومتر مربع، ومن الخطير جدًا أن تدخل قوات برية إلى هكذا مساحة وتستطيع السيطرة عليها، خاصة إذا ما تذكرنا أن هناك ما يقارب المائة مليون شخص يعيشون على الأراضي الإيرانية.
كل هذا يشكل زاوية حادة واحدة من المشهد، وهناك زوايا أخرى كثيرة؛ فمحاولة الولايات المتحدة الدخول في عملية كسر عظم في إيران ستصطدم بالواقع الجيوسياسي شديد التعقيد؛ فهناك السعودية والخليج من جهة، وهناك پاکستان وتركيا من جهة ثانية، وهناك البُعد الثالث شديد الخطورة: الصين وروسيا.
ليس من السهل تحطيم كل قواعد اللعبة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وأمنيًا؛ فالحلفاء باتوا ينظرون إلى أمريكا على أنها دولة غير راشدة في قرارات الحرب، فالحروب لا يمكن أن تُشن اعتمادًا على معلومات مُعدة خصيصًا من جهاز الموساد الإسرائيلي. لقد وقع ترامب في شباك نتنياهو ونصائحه ومعلوماته المضللة، ولذلك كانت الزيارة الأخيرة لنتنياهو إلى واشنطن فاشلة بامتياز، وأُجريت اللقاءات في غرف مغلقة وبتصريحات بروتوكولية باهتة للغاية.
بعد طول انتظار، وصل الرئيس الأمريكي إلى الحقائق التالية في ظني:
تحقيق نصر حاسم على إيران لا يمكن أن يتم بدون إنزال بري على الأراضي الإيرانية.
الإنزال على الأراضي الإيرانية -بحسب الجنرالات- أمر يشكل مغامرة عسكرية محفوفة بمخاطر كبيرة جدًا ونتائج لا تستطيع أمريكا تحملها.
الحلفاء التقليديون لأمريكا في الشرق الأوسط وفي أوروبا مصممون إصرارًا تامًا على عدم خوض الحرب والمشاركة فيها بصورة مباشرة.
أمريكا تواصل الخسارة أمام الصين على الصعيد الاستراتيجي، والصين مسرورة بالمشهد الذي يجري أمامها.
وكالة الـ (CIA) أكدت للرئيس أن الصين -وبعيدًا عن النفي- تقوم بتزويد إيران بأسلحة ومعدات وتجهيزات ومعلومات استخبارية شديدة الأهمية.
الانتخابات النصفية للكونغرس على الأبواب، والهزيمة للجمهوريين مؤكدة تمامًا إذا لم يتوقف ترامب عن إدارة الحرب بالصورة المترددة المرتبكة التي يقوم بها (من تهديدات وتراجع، وتلويح بالقوة ثم تراجع آخر)، وبالتالي على الرئيس أن يكتفي بأي نصر مجتزأ ليعود به إلى الأمريكيين، علّ الجمهوريين يتمكنون من الحد من خسائرهم في الانتخابات النصفية المقبلة.
الحرب لا يبدو أنها ستقع من جديد بناءً على المتغير الأخير في الموقف الأمريكي، وأن ترامب سيذهب إلى حالة من التهدئة حتى نهاية العام على أقل تقدير.
من ناحية أخرى، قدمت وكالة الاستخبارات الأمريكية تقريرًا للرئيس بأن الجنوح للسلم والتهدئة سيضر بإيران أضرارًا بالغة؛ لأن وقف الحرب يعني مواجهة الاستحقاقات الداخلية: ارتفاع الأسعار، والركود الاقتصادي، وحالة التضخم الكبرى، وبالتالي ربما يشكل كل ذلك حالة ضغط داخلي إيراني تغني أمريكا عن خوض حروب مكلفة وربما فاشلة.
التحليل الأقرب للواقع أننا سنرى في القريب العاجل تنازلات ملحوظة من الجانب الأمريكي من أجل فتح مضيق هرمز، بل إن أمريكا قد تتساهل أكثر فترفع بعض العقوبات عن إيران إيمانًا منها بأن الهدوء والسلم سيخلقان مشكلة عميقة بين الشعب الإيراني والحكومة.
هذا ما قد نراه في تفاصيل المشهد في الأيام والأسابيع المقبلة.