















اهلا أيامٌ معدودة تفصلنا عن بداية العام الدراسي الجديد، ومع اقتراب موعد العودة إلى مقاعد الدراسة، تتجه الأنظار عادةً إلى التحضيرات اللوجستية في المدارس: تجهيز الغرف الصفية، ترتيب المقاعد، توفير الكتب والقرطاسية، وصيانة المرافق المدرسية. ولا شك أن هذه الاستعدادات مهمة وضرورية لضمان بداية منظمة للعام الدراسي لكنها لا تقل أهمية عن الاستعداد للجانب الإنساني في العملية التعليمية. أولًا: الطلاب... بين فرحة العودة والقلق من المجهول ويصبح هذا القلق أكثر وضوحًا لدى الطلاب الذين ينتقلون من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الإعدادية، حيث تتغير البيئة المدرسية، وتزداد المسؤوليات الأكاديمية، وتتسع دائرة العلاقات الاجتماعية. فكيف نساعد الطالب على العودة؟ ثانيًا: المعلم... بين الحماس لبداية جديدة وضغوط المسؤولية. إذا كان الطالب يحتاج إلى التهيئة للعودة، فإن المعلم ليس استثناءً. فالمعلم يعود أيضًا من العطلة إلى عام دراسي جديد يحمل معه صفوفًا جديدة، وطلابًا مختلفين، ومناهج وخططًا، ومسؤوليات تعليمية وإدارية، وتوقعات من الإدارة والأهل والمجتمع. - توفير مناخ مدرسي داعم قائم على التعاون والاحترام. إن الاستعداد للعام الدراسي الجديد لا ينبغي أن يقتصر على تجهيز المباني والصفوف والكتب. فهذه الأمور ضرورية، لكنها تمثل الجانب الظاهر من الاستعداد. أما الجانب الأعمق فهو الإنسان: الطالب الذي يحمل أسئلته ومخاوفه وطموحاته، والمعلم الذي يحمل مسؤولياته وتوقعاته وتحدياته. لذلك، فإن البداية الناجحة للعام الدراسي تتطلب أن نسأل سؤالين متلازمين: -هل المدرسة جاهزة لاستقبال الطلاب؟ فالمدرسة الناجحة ليست التي تفتح أبوابها في الموعد المحدد فقط، وإنما التي تفتح أبوابها أمام طالب يشعر بالأمان والانتماء، ومعلم يشعر بالدعم والثقة.
العودة إلى مقاعد الدراسة... استعداد يتجاوز الكتب والصفوف
فالمدرسة ليست مباني وصفوفًا ومقاعد وكتبًا فقط، وإنما هي قبل كل شيء طلاب ومعلمون يعودون من عطلة طويلة، إلى منظومة جديدة من المسؤوليات والعلاقات والتوقعات. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق جرس بداية العام الدراسي ليس فقط: هل المدرسة جاهزة لاستقبال الطلاب؟، وإنما أيضًا: هل الطلاب والمعلمون مستعدون نفسيًا وانفعاليًا للعودة؟
فالعودة إلى المدرسة قد تكون بالنسبة إلى بعض الطلاب لحظة فرح واشتياق للزملاء والأصدقاء، لكنها قد تكون بالنسبة إلى آخرين مصدرًا للقلق والتوتر، خاصةً عند الانتقال إلى مرحلة تعليمية جديدة أو مدرسة جديدة. والأمر نفسه ينطبق على المعلم الذي يعود إلى عام دراسي جديد محمّلًا بالمسؤوليات والتوقعات والتحديات المهنية.
ومن هنا، فإن الاستعداد الحقيقي للعام الدراسي يجب أن يجمع بين الاستعداد اللوجستي والاستعداد الإنساني والنفسي؛ لأن جاهزية المدرسة لا تكتمل بتجهيز الصفوف، بل تكتمل عندما يدخل الطالب إلى صفه وهو يشعر بالأمان والانتماء، ويدخل المعلم إلى مدرسته وهو يشعر بالثقة والدعم والاستعداد.
قد يستقبل كثير من الطلاب العودة إلى المدرسة بفرح واشتياق إلى الأصدقاء والمعلمين والحياة المدرسية. لكن خلف هذه الفرحة قد تختبئ مشاعر أخرى، خاصة لدى الطلاب الذين ينتقلون إلى مدرسة جديدة أو مرحلة تعليمية مختلفة.
فقد يسأل الطالب نفسه:
- هل سأكون مقبولًا بين زملائي؟
- هل سأجد أصدقاء جددًا؟
- هل سأستطيع التأقلم مع البيئة المدرسية الجديدة؟
- هل سيكون المعلمون متفهمين لي؟
-هل سأحافظ على مستواي الدراسي؟
-هل سأحقق النتائج التي حققتها في العام الماضي؟
وتشير دراسة أجراها الباحثان بيني سينغلا (Binni Singla) ومحفوظ أحمد (Mehfooz Ahmad) من جامعة أميتي غورغرام (Amity University Gurugram) في الهند، بعنوان «القلق الأكاديمي والتنظيم الانفعالي لدى الطلاب في أعقاب الانتقال المدرسي»، والمنشورة عام 2026، إلى أن الانتقال المدرسي، ولا سيما خلال مرحلة المراهقة، قد يرتبط بزيادة القلق الأكاديمي لدى الطلاب، نتيجة التغير في الروتين اليومي، والمناهج الدراسية، وأساليب التدريس، والبيئة المدرسية، والعلاقات مع الأقران. وتبرز الدراسة أهمية التهيئة النفسية للطلاب ومساعدتهم على التكيف مع البيئة التعليمية الجديدة، بما يسهم في الحد من مشاعر القلق وتعزيز قدرتهم على مواجهة متطلبات المرحلة الجديدة.
- اعادة تنظيم النوم تدريجيًا: العودة إلى أوقات النوم والاستيقاظ المدرسية قبل بدء العام بأيام.
- تنظيم الروتين اليومي: إعادة ترتيب أوقات الطعام، والراحة، والنشاط، والدراسة.
- الاستعداد المادي مسبقًا: تجهيز الكتب والقرطاسية والملابس، حتى لا يتحول اليوم الأول إلى مصدر إضافي للتوتر.
- ا لحوار الإيجابي: الاستماع إلى مخاوف الطالب وعدم الاستهانة بها أو السخرية منها.
- التهيئة النفسية: الحديث عن المدرسة باعتبارها فرصة للتعلم والتجربة وتكوين العلاقات، وليس مكانًا للخوف من الفشل.
- الاهتمام بالانتقالات: تقديم دعم خاص للطلاب الذين ينتقلون إلى مدرسة أو مرحلة جديدة.
- أهداف واقعية: مساعدة الطالب على وضع أهداف قابلة للتحقيق بدلًا من مطالبته منذ البداية بتحقيق نتائج مثالية.
الأهم أن نؤكد للطالب أن قلقه من المجهول أمر طبيعي، وأن التكيف يحتاج إلى وقت ولا يحدث دفعة واحدة.
وقد تدور في ذهن المعلم أسئلة كثيرة:
- هل سأكون معلمًا ناجحًا هذا العام؟
- هل سأتمكن من إدارة الصف بصورة جيدة؟
- كيف ستكون علاقتي بالطلاب؟
- هل سأستطيع تحقيق الأهداف التعليمية المطلوبة؟
- هل سأتمكن من التعامل مع الضغوط والمتطلبات الجديدة؟
وهنا يجب ألا ننظر إلى المعلم باعتباره الشخص الذي يُهيّئ الآخرين فقط؛ بل هو أيضًا إنسان يحتاج إلى التهيئة والدعم.
وأجرت الباحثات Hagit Nizri (حجيت نزري)، وAlla Hemi (علا هيمي)، وEinat Levy-Gigi (عينات ليفي-غيغي) دراسة تناولت دور المناخ المدرسي والمرونة النفسية في تعزيز الرفاه النفسي لدى العاملين في المجال التربوي، وذلك في جامعة حيفا (University of Haifa) وجامعة بار-إيلان (Bar-Ilan University)، ونُشرت الدراسة عام 2026 في مجلة Current Psychology. وهدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين ضغوط العمل، والمناخ المدرسي، والمرونة النفسية، والرفاه النفسي لدى العاملين في المجال التعليمي، وأظهرت نتائجها أن ارتفاع الضغوط المهنية قد يرتبط بمستويات أعلى من القلق والاكتئاب، في حين يمكن للمناخ المدرسي الإيجابي والمرونة النفسية أن يساهما في تعزيز الرفاه النفسي للمعلمين والعاملين في المدارس. وقد أُجريت الدراسة على 1,219 من العاملين في المدارس الإسرائيلية.
فكيف نساعد المعلم على بداية أفضل؟
- تنظيم المهام والمسؤوليات وعدم إثقال المعلم بمتطلبات غير ضرورية في بداية العام.
-إعطاء المعلم مساحة للتخطيط والتكيف مع طلابه الجدد.
- تشجيع التعاون وتبادل الخبرات بين المعلمين.
- التركيز في الأسابيع الأولى على بناء العلاقة مع الطلاب إلى جانب الأهداف الأكاديمية.
-منح المعلم الدعم المهني والنفسي عند الحاجة.
- تذكير المعلم بأن النجاح لا يعني أن يكون كل شيء مثاليًا منذ اليوم الأول.
-وهل الطلاب والمعلمون جاهزون نفسيًا وإنسانيًا للعودة.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الاستعداد النفسي والإنساني لبداية العام الدراسي ليس ترفًا، بل هو جزء أساسي من بناء بيئة تعليمية أكثر استقرارًا، وعلاقات مدرسية أكثر إيجابية، وفرص تعلم أفضل للجميع.
وفي النهاية، نسأل الله أن يكون هذا العام الدراسي فاتحة خير ونجاح للجميع، مع أمنياتنا لكم بالسلامة والتوفيق الدائم.