
















اهلا-المحامي سعيد نفاع العرب الدروز وتداعيات الأزمة السوريّة على الهويّة والانتماء
الهويّة والانتماء لـدى العرب الدروز خطّ أحمر
عُقد يوم يومٌ دراسيّ بمبادرة ناشطين في الحركة الوطنيّة في الجولان المحتلّ والحركة التقدّمية للتواصل – درب المعلّم في مقرّ الحركة؛ ملتقى كمال جنبلاط الفكريّ – بيت جن، يومّ دراسيّ بمشاركة العشرات وعلى مدى 5 ساعات. تناول قضيّة الهويّة والانتماء لدى العرب الدروز ومحاولات التطاول عليها في ظلّ الأزمة السوريّة وآثارها الإقليميّة عربيّا وعلى التجمّعات الدرزيّة في المنطقة. وقد جاء في البيان الختاميّ في معرض توضيح دواعي عقد اللقاء:
"تأتي الدعوة إلى هذا اللقاء... في لحظة استثنائية فرضتها التطورات المتسارعة في سورية، ولا سيما المجازر التي شهدتها محافظة السويداء، وما خلّفته من تداعيات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت آثارها إلى الدروز في كل أماكن تواجدهم، بالتوازي مع تدخل إسرائيلي متزايد ومحاولات واضحة لتوظيف هذه الأحداث في إعادة صياغة موقع الدروز وعلاقتهم بمحيطهم الوطني والعربي."
تمحور اللقاء حول محاور ثلاثة:
*الأول: العمل المشترك بين القوى الوطنية في الجولان المحتلّ والقوى الوطنية العربيّة الدرزيّة في إسرائيل.
*الثاني: أزمة السويداء – هل تستطيع القوى الوطنية المساهمة في الدفع نحو حل ضمن وحدة سورية برفد دُعاة الحل الوطني السوري – السوري بموقف داعم؟
*الثالث: لقاءات تشاوريّة مع قوى وطنية عربيّة وعربيّة درزيّة إقليميّة.
أدار الاجتماع الكاتب المحامي سعيد نفّاع، وقدّم كلّ من د. ثائر أبو صالح، والأستاذ وائل طربيه، والسيّد عماد دغش، ود. نزار أيّوب، والشاعر المحامي سامي مهنّا، والسيّد سلمان فخر الدين مداخلات تناولت المحاور المذكورة، أعقبها نقاش معمّق شارك فيه كُثٌر من الحضور. وفي ختام النقاش طُرح مشروع البيان التلخيصي وبعد مناقشته أُقرّ بالإجماع. (مرفق أدناه كاملًا) وممّا جاء فيه حسب المحاور:
**العمل المشترك: أكد المجتمعون أهمية تطوير وتنسيق العمل الوطني السوري الجولاني – والفلسطيني، على قاعدة مواجهة الاحتلال وسياسات الأسرلة والتفكيك والطائفية ومحاولات زجّ الدروز في المخططات الإسرائيلية تجاه المنطقة، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على خصوصية كل تجربة وانتمائها الوطني. وفي هذا السياق أكد المشاركون على اهمية تشكيل آلية تنسيق مشتركة بين الحركة الوطنية السورية في الجولان المحتل وبين القوى الوطنية الفلسطينية في الـ 48 في أقرب وقت ممكن.
**أزمة السويداء: الحل في السويداء يبدأ من الاستفادة من تفاهمات آذار وأيار 2025، والاتفاق الثلاثي السوري–الأردني–الأميركي في أيلول 2025، وما صدر لاحقاً عن لجان التحقيق الدوليّة والجهات الأممية والإنسانية؛ بوصفها عناصر يمكن البناء عليها للدفع نحو حوار جدي ومخرج للأزمة ضمن وحدة سورية.
كما رأى المجتمعون أن التوجهات التي يقودها الشيخ حكمت الهجري والقوى المتحالفة معه، وخصوصًا تلك التي تراهن على الدور الإسرائيلي، تنطوي على مخاطر كبيرة. وجاء في البيان:
"يدين المشاركون بأشدّ العبارات تصريحات الشيخ حكمت الهجري، التي زعم فيها أن الدروز «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، وأن بينهم وبينها اشتراكًا «حتى في العقيدة»، ويرون فيها خطابًا منفلتًا يكشف جهلًا فادحًا بموروث عقيدة التوحيد وتاريخ الدروز وهويتهم العربية الإسلامية. إن الزجّ بالعقيدة في تبرير الارتباط بإسرائيل ليس سوى محاولة بائسة ومشينة لاسترضاء رعاته الإسرائيليين، وتوظيف الدين في خدمة مشروع سياسي يتقاطع مع مخططات الاحتلال والتفتيت. وقد آن الأوان لوضع حدّ لهذا النهج الذي قاده الهجري ومجموعته، بعدما عاثوا فسادًا في المشهد، وحوّلوا أهل السويداء إلى رهينة لغاياتهم وحساباتهم السياسية، مقامرين بمصير الجبل وأهله. ويعلن المشاركون إدانتهم القاطعة وبراءتهم التامة من هذه المواقف ومن كل من يتبناها أو يروّج لها، مؤكدين أنها لا تمثل الدروز ولا عقيدتهم ولا تاريخهم وانتماءهم الوطني والعربي، وأن أصحابها وحدهم يتحملون مسؤوليتها وتبعاتها".
**اللقاءات التشاوريّة الإقليميّة: لا يرى المجتمعون ضيرًا في إجراء لقاءات تشاورية لتبادل الرأي ووجهات النظر مع شخصيات اعتبارية أو أكاديمية من لبنان والأردن، حول سبل مواجهة هذه الهجمة على الهوية الوطنية للدروز، ومحاولات قوى إقليمية توظيف مأساة السويداء لتحقيق مصالحها في سورية.
واختُتم اليوم الدراسي بإقرار البيان التلخيصيّ بالإجماع، والاتفاق على متابعة العمل استنادًا على ما خلص إليه اللقاء من مواقف وقرارات.
للتواصل:
د. ثائر أبو صالح 6985002-058
أ. سعيد نفّاع 7208450-050
***البيان الختاميّ الكامل
العرب الدروز: أزمة السويداء والهوية والانتماء
البيان الختامي لليوم الدراسي
ملتقى كمال جنبلاط الفكري – بيت جن
29 آب 2026
في دواعي اللقاء
تأتي الدعوة إلى هذا اللقاء على أرضية مخرجات البيان الذي صدر عن الاجتماع التشاوريّ الذي عُقد بتاريخ 23 حزيران 2026 بين الحركة التقدميّة للتواصل - درب المعلّم (الـ 48) ومجموعة نت نشطاء الحركة الوطنيّة في الجولان، والذي جاء في لحظة استثنائية فرضتها التطورات المتسارعة في سورية، ولا سيما المجازر التي شهدتها محافظة السويداء، وما خلّفته من تداعيات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت آثارها إلى الدروز في كل أماكن تواجدهم، بالتوازي مع تدخل إسرائيلي متزايد ومحاولات واضحة لتوظيف هذه الأحداث في إعادة صياغة موقع الدروز وعلاقتهم بمحيطهم الوطني والعربي.
ومن جهة أخرى، تثير هذه التطورات مخاوف جدية من إعادة إحياء أطروحة «القومية الدرزية» التي عملت المؤسسة الإسرائيلية وأدواتها على فرضها على الدروز في إسرائيل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عبر تحويل الخصوصية المذهبية إلى هوية سياسية منفصلة عن الانتماء الوطني والعربي؛ وهي أطروحة تتناقض مع المسار التاريخي للدروز وموروثهم العربي الإسلامي.
ويرى المشاركون أن أثر هذه الأزمة؛ (الدرزيّة السوريّة!)، لم يقتصر على القضايا الحياتية للدروز في الجبل، بل تعدّاها إلى استهداف قضايا وجودية تمسّ الهوية والانتماء، قوميًّا ومذهبيًّا وتراثيًّا، وصولًا إلى التطاول على موروثهم التاريخي ورموزه البارزة؛ من الإرث الإسلامي للأمير السيد عبد الله التنوخي، وأطروحات شكيب أرسلان، إلى الدور العروبي والوطني لسلطان باشا الأطرش، والفكر القومي والإنساني لكمال جنبلاط. ولا يمكن فصل هذا الاستهداف باستغلال مأساة السويداء بمحاولات إعادة إحياء مدرسة «القومية الدرزية»، من خلال مشاريع بائسة؛ من بينها ما يسمى «الدولة الباشانية»، خدمةً لأجندات إقليمية تسعى إلى النيل من الموروث الوطني والعربي للدروز ورموزه التاريخية.
وأمام هذه المخاطر، تفرض التحديات الراهنة على القوى الوطنية قراءةً واعية لما يجري والسعي إلى التأثير فيه، انطلاقًا من إحساسها بالمسؤولية التاريخية تجاه الأجيال القادمة، وقبل أن يصبح الخطاب الطائفي والانفصالي هو الصوت المهيمن في الساحة.
ومن هنا، تمحور النقاش حول ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول: العمل المشترك بين القوى الوطنية في الجولان المحتلّ والقوى الوطنية العربيّة الدرزيّة في إسرائيل.
في ضوء هذه التحديات وتداعياتها المحلية والإقليمية، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مستوى العلاقة والتنسيق بين الحركة الوطنية السورية في الجولان والقوى الوطنية الفلسطينية في الـ 48. ونؤكد في هذا السياق ان هذا التنسيق لا ينبع من الانتماء المذهبي المشترك بحد ذاته، وإنما من تحديات متقاطعة فرضتها الأحداث الأخيرة، وفي مقدمتها محاولة إسرائيل توظيف قضية الدروز إقليميًا، وإعادة إحياء خطاب يسعى إلى فصل الدروز عن محيطهم الوطني والعربي، وتقديم إسرائيل بوصفها حامية لهم.
لقد حافظت الحركة الوطنية في الجولان، تاريخيًا، على موقف واضح يؤكد الهوية العربية السورية للجولان ويرفض "الأسرلة" بكلّ أشكالها، وأكد المجتمعون، في هذا السياق، أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن الحركة الوطنية فيه جزء من الحركة الوطنية السورية. حيث يأتي هذا اللقاء في ظل تصاعد التحديات التي يواجهها الجولان السوري المحتل، ولا سيما محاولات توسيع الأسرلة، والسيطرة على الأرض والمقدرات؛ بمشروع المراوح الهوائية، وتسوية الأراضي، وقضايا التنظيم والبناء؛ وهي تحديات تستدعي تعزيز الموقف الوطني والتمسك بالهوية العربية السورية للجولان.
ومن جهة أخرى، واجه العرب الدروز في إسرائيل على مدى السنوات سياسات التغريب عن أصول هوّيتهم وانتمائهم، وعانوا من التمييز الممنهج في كافّة مجالات الحياة والتي "توّجها" قانون القوميّة من العام 2018 بتصنيفه إيّاهم مواطنين درجة دنيا رغم سريان الخدمة العسكريّة الإجباريّة عليهم، ورغم خيارات ورهان قياداتهم "التقليديّة"؛ المذهبيّة والسياسيّة على المؤسّسة. وقد واجهت قواهم الوطنية، ضمن ظروف مختلفة، هذه السياسات بعمل صعب في ظلّ اختلال في التوازن بين القوى الفاعلة.
وعليه، أكد المجتمعون أهمية تطوير وتنسيق العمل الوطني السوري الجولاني – والفلسطيني، على قاعدة مواجهة الاحتلال وسياسات الأسرلة والتفكيك والطائفية ومحاولات زجّ الدروز في المخططات الإسرائيلية تجاه المنطقة، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على خصوصية كل تجربة وانتمائها الوطني. وفي هذا السياق أكد المشاركون على اهمية تشكيل آلية تنسيق مشتركة بين الحركة الوطنية السورية في الجولان المحتل وبين القوى الوطنية الفلسطينية في ال 48 في أقرب وقت ممكن.
المحور الثاني: أزمة السويداء – هل تستطيع القوى الوطنية المساهمة في الدفع نحو حل ضمن وحدة سورية برفد دُعاة الحل الوطني السوري – السوري بموقف داعم؟
يرى المشاركون أن ما يجري لا يمكن قراءته بوصفه أزمة درزية منفصلة عن التحولات التي تعصف بالمنطقة. فقد أدت سنوات الصراع والانقسام في سورية إلى إضعاف الروابط الوطنية الجامعة، وإلى تنامي خطاب الخوف والهويات الفرعية والطائفية. وجاءت مأساة السويداء لتزيد من حدة هذه الظاهرة، بعد أن تداخلت المطالب المشروعة لأهلها بالأمن والكرامة والعدالة والمحاسبة مع توجهات تسعى إلى إخراج هذه المطالب من إطارها الوطني السوري وربطها بمشاريع الحماية الخارجية والانفصال. وفي المقابل، أسهمت الجرائم والانتهاكات وخطابات التحريض والكراهية التي تعرض لها الدروز في توفير البيئة التي يتغذى منها خطاب الانغلاق والخوف والاستقواء بالخارج.
وهنا تكمن خطورة اللحظة: طائفية تولّد طائفية مضادة، وخوف يولّد انعزالًا، وعنف داخلي يفتح الباب أمام التدخل الخارجي، وتدخل خارجي يعمّق بدوره الانقسام الداخلي. إن كسر هذه الحلقة هو المدخل إلى فهم مسؤوليتنا ودورنا.
يؤكد المشاركون أن وحدة سورية، أرضًا وشعبًا، مبدأ أساسي، وخط أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن السويداء جزء أصيل من سورية، حيث شكل أهل جبل العرب على الدوام جزءًا أصيلًا من تاريخها الوطني ونضالها من أجل الاستقلال والوحدة. يرفضون بشكل قاطع تحويل مأساة السويداء إلى مدخل للتقسيم، كما نرفض الاستقواء بإسرائيل أو بأي قوة خارجية والدعوات إلى إقامة كيان طائفي أو فصل السويداء عن الدولة السورية.
وبناءً على ما تقدم، يرى المجتمعون أن التوجهات التي يقودها الشيخ حكمت الهجري والقوى المتحالفة معه، وخصوصًا تلك التي تراهن على الدور الإسرائيلي، تنطوي على مخاطر كبيرة. ويدين المشاركون بأشدّ العبارات تصريحات الشيخ حكمت الهجري، التي زعم فيها أن الدروز «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، وأن بينهم وبينها اشتراكًا «حتى في العقيدة»، ويرون فيها خطابًا منفلتًا يكشف جهلًا فادحًا بموروث عقيدة التوحيد وتاريخ الدروز وهويتهم العربية الإسلامية. إن الزجّ بالعقيدة في تبرير الارتباط بإسرائيل ليس سوى محاولة بائسة ومشينة لاسترضاء رعاته الإسرائيليين، وتوظيف الدين في خدمة مشروع سياسي يتقاطع مع مخططات الاحتلال والتفتيت. وقد آن الأوان لوضع حدّ لهذا النهج الذي قاده الهجري ومجموعته، بعدما عاثوا فسادًا في المشهد، وحوّلوا أهل السويداء إلى رهينة لغاياتهم وحساباتهم السياسية، مقامرين بمصير الجبل وأهله. ويعلن المشاركون إدانتهم القاطعة وبراءتهم التامة من هذه المواقف ومن كل من يتبناها أو يروّج لها، مؤكدين أنها لا تمثل الدروز ولا عقيدتهم ولا تاريخهم وانتماءهم الوطني والعربي، وأن أصحابها وحدهم يتحملون مسؤوليتها وتبعاتها
وانطلاقًا من هذا الموقف، يرى المجتمعون أن القضيّة السوريّة هي قضيّة وطنيّة شاملة، ويجب أن يُنظر إليها من موقع المواطنة والانتماء الوطني، لا من منظور طائفي عابر لحدود الدولة. ويعتبرون أن صلات القربى والتكافل الإنساني بين أبناء المنطقة أمر طبيعي، لكن ربط هذه الروابط وتوظيفها في مشاريع طائفية أو في خدمة سياسات الاحتلال أمر مرفوض. ومن هنا تبرز ضرورة مواجهة خطاب الأقليات والطائفية بخطاب وطني جامع يتجاوز الظواهر المأساوية التي شابت المشهد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الدور الإسرائيلي المتزايد في استثمار الانقسامات الداخلية، فإنّ محاولة إسرائيل إغراق السويداء بالدمّ وانتشالها ليست إلّا أداة للتحكّم في السويداء. إذ ينظر المشاركون بقلق بالغ إلى المحاولات الإسرائيلية لاستغلال مأساة السويداء وتقديم إسرائيل بوصفها «حامية للدروز». فهذه السياسة ليست جديدة؛ إذ عملت المؤسسة الإسرائيلية، منذ عقود، على فصل الدروز الفلسطينيين عن محيطهم العربي، وتحويل انتمائهم المذهبي إلى هوية سياسية منفصلة. وتقدم تجربتا الدروز في الجليل والكرمل والجولان السوري المحتل شواهد واضحة على التناقض بين خطاب «الحماية»، من جهة، وواقع التمييز ومصادرة الأرض وسياسات التخطيط والبناء والأسرلة والتجنيس، من جهة أخرى.
لم يكن الدروز في إسرائيل بعيدين عن الأزمة السورية؛ إذ شهدت الساحة تدخلًا سافرًا أدواتيًا وتنافسيًا من جانب اتجاهين داخل «قياداتهم» التقليدية، المذهبية والسياسية، تحركا في إطار توجهات المؤسسة الإسرائيلية والتنسيق معها. وسرعان ما تكشّف الأثر السلبي لهذا التدخل وعجزُ هذين الاتجاهين عن التأثير في مجرى التطورات، ولكن بعد أن كان الضرر قد تفشّى واستفحل و«سبق السيف العذل»؛ فاتجه أحدهما لاحقًا إلى «النأي بالنفس» بعد انكشاف حقيقة الدور الإسرائيلي، فيما مضى التيار «الباشاني» في نهجه، فعاث فسادًا في المشهد وأسهم في تعقيده.
وفي مواجهة هذين التيارين، لم تألُ القوى التقدمية بين الدروز في الجليل والكرمل، قبل اندلاع الأزمة في سورية وبعد تحولها إلى محنة، في التحذير من هذا التدخل واتخاذ ما استطاعت من مواقف حاسمة في مواجهته. وقد أسهم دورها، على الرغم من اختلال موازين القوى، في الحد من انزلاق جمعيّ وراء سياسات المؤسسة الإسرائيلية الخطرة تجاه الدروز من جهة، وفي مواجهة الصورة النمطية السلبية التي أخذت تتشكل عنهم في الرأي العام العربي، محليًا وإقليميًا، من جهة أخرى.
وفي ضوء هذه التجربة وما أظهرته من مخاطر، يرى المشاركون أن الاستثمار في مأساة السويداء لإحياء مشروع «القومية الدرزية»، أو لإقامة كيان طائفي مرتبط بإسرائيل، لا يشكل حماية للدروز؛ بل يهدد بتحويلهم إلى أداة في مشروع إقليمي أكبر منهم، ويفصلهم عن محيطهم الطبيعي، ويضعهم في مواجهة شعوب المنطقة.
وفي هذا السياق، يرى المجتمعون أن الحل في السويداء يبدأ من الاستفادة من تفاهمات آذار وأيار 2025، والاتفاق الثلاثي السوري–الأردني–الأميركي في أيلول 2025، وما صدر لاحقاً عن لجان التحقيق الدوليّة والجهات الأممية والإنسانية؛ بوصفها عناصر يمكن البناء عليها للدفع نحو حوار جدي ومخرج للأزمة ضمن وحدة سورية.
كما أكد الحاضرون ضرورة معالجة الأوضاع الإنسانية والحياتية ورفع أشكال الحصار عن السويداء، بما يخفف معاناة المدنيين ويحد من فرص التدخل الخارجي، وأن الدولة السورية تتحمل، بحكم مسؤوليتها عن جميع المواطنين، المسؤولية الأساسية في توفير الظروف اللازمة للحل، وحماية السكان، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وإعادة بناء الثقة. لا يستطيع النظام الجديد نفض اليد من المسؤوليّة التي يتحمّل عن المجازر، بغضّ النظر إن كان وقع أو أوقع في فخّ، فإن التمسك بوحدة سورية لا يعني السكوت عن الجرائم والانتهاكات التي تعرض لها أبناء السويداء، ولا إعفاء السلطة السورية وفي مقدّمها الشرع من مسؤولياتها عنها وبالتالي حماية المواطنين وضمان أمنهم وكرامتهم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، والعمل على إعادة بناء الثقة بمحو آثار تمّوز 2025 وفي مقدّمها إعادة الإعمار وجبر الضرر على قاعدة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
وأكد المجتمعون كذلك ضرورة أن تضطلع النخب والقوى الوطنية السورية، من مختلف مكونات الشعب السوري، بدورها في رأب الصدع، ومواجهة التحريض الطائفي، وإعادة الأزمة إلى إطارها الوطني، مع التأكيد على وجود قوى واسعة بين دروز سورية ونخبهم الاجتماعية والثقافية والمذهبية تتمسك بوحدة سورية وترفض الانفصال والاستقواء بالخارج.
المحور الثالث: لقاءات تشاوريّة مع قوى وطنية عربيّة وعربيّة درزيّة إقليميّة
لم تتوقف تداعيات أزمة السويداء عند حدود سورية؛ فقد أثارت أيضًا نقاشات ومواقف في لبنان وفلسطين والأردن وأوساط الاغتراب، كما حاولت قوى مختلفة تقديم نفسها بوصفها ناطقة باسم الدروز في المنطقة. من هذا الواقع؛ ناقش المجتمعون مدى فائدة فتح قنوات تشاور مع شخصيات وقوى درزية وطنية في بعض الدول العربية، وخصوصًا لبنان والأردن، في ظل التداعيات الإقليمية لأزمة السويداء ومحاولات توظيف الدروز في مشاريع الانفصال والتدخل الخارجي. وتوصل المجتمعون إلى أن مثل هذا التواصل قد يكون مفيدًا، شريطة تحديد طبيعته وحدوده منذ البداية. فالمقصود ليس إنشاء «تنسيق درزي طائفي إقليمي»، ولا عقد "مؤتمر درزي طائفي عابر للحدود"، ولا إنشاء "مرجعية سياسية جديدة تتحدث باسم الدروز"؛ وإنما التشاور مع قوى وشخصيات تنطلق أصلًا من انتمائها الوطني في دولها، ويمكن أن يكون لها دور في مواجهة الخطاب الطائفي والانفصالي، ودعم الحلول التي تحافظ على وحدة الدول والمجتمعات.
واستنادًا إلى ما تقدم، لا يرى المجتمعون ضيرًا في إجراء لقاءات تشاورية لتبادل الرأي ووجهات النظر مع شخصيات اعتبارية أو أكاديمية من لبنان والأردن، حول سبل مواجهة هذه الهجمة على الهوية الوطنية للدروز، ومحاولات قوى إقليمية توظيف مأساة السويداء لتحقيق مصالحها في سورية.
ومع أهمية هذا التشاور، يرى المجتمعون أن معالجة تداعيات الأزمة لا تكتمل من دون مقاربة جذورها الأعمق؛ وفي مقدمتها تعثر المجتمعات العربية وفاعلياتها في بناء دولة المواطنة، وما ترتب على ذلك من تعصب واستقطاب طائفي وقومي، ولّدا الشعور بالخوف وفقدان الأمان لدى شرائح واسعة من هذه المجتمعات، وأضعفا حصانتها الاجتماعية الداخلية، وجعلاها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية واستغلال واقعها الاجتماعي المتشظي وتوظيفه في خدمة مشاريع استعمارية. وقد كشفت أزمة السويداء بوضوح خطورة هذا الواقع الطائفي والتعصب الأعمى، وما يمكن أن يفضيا إليه من تقسيم واستدعاء للتدخل الخارجي.
ومن هنا، وإذا كان جوهر الأزمة يتجاوز حدود طائفة بعينها، فإن الإطار الطبيعي لمناقشتها لا يمكن أن يكون إطارًا طائفيًا، بل لقاءً وطنيًا عربيًا أوسع ومتعددًا يضم قوى سورية وفلسطينية ولبنانية وأردنية وغيرها، من مختلف الانتماءات، لبحث واقع الأزمة من خلال بحث واقع المجتمعات العربية وسبل التعايش بين مكوناتها، على أساس دولة المواطنة والقانون، ومبدأ: "الدين لله والوطن للجميع".






