
















اهلا الميلاد: نصّ أدبي للتقويم الشرقي على أطراف بيت لحم، في مغارةٍ لا تحمل اسمًا ولا تاريخًا، حدث ما لم يكن متوقّعًا: مريم لم تكن رمزًا فقط، كانت إنسانًا كاملًا في لحظة فائقة الكثافة. وُضع الطفل في مذود. يوسف كان حاضرًا بصمته. في الحقول، بعيدًا عن المدن والنظم والتراتبيات، ومن المشرق، تحرّك العقل. في تلك الليلة، لم تتغيّر الخرائط، وفي التقويم الشرقي، حين تحتفل الكنائس بعيد الميلاد في السابع من كانون الثاني، الميلاد ليس ذكرى. هذا هو الميلاد في روحه الشرقية:
رانية مرجية
لم يكن الليل تلك الليلة زمنًا،
كان حالة كونية من التوقّف.
كأن العالم، بكل تعبه وحروبه وأسئلته المؤجَّلة، حبس أنفاسه ليفسح مجالًا لولادة المعنى.
لم يأتِ الله من الأعلى، بل من العمق.
لم يهبط كقوّة، بل وُلد كهشاشة.
لم يعلن نفسه بصوت الرعد، بل ببكاء طفل.
امرأة تواجه المجهول بجسدها، وتحمل المطلق في ذراعيها.
في عينيها لم يكن خوف، بل إدراك صامت بأن الحبّ الحقيقي لا يحمي صاحبه من الألم، بل يعطيه معنى.
حين انحنت على طفلها، انحنى معها التاريخ، وتبدّل مركز الكون:
صار القلب أهمّ من العرش.
لا لأن العالم لم يجد له مكانًا،
بل لأن الله اختار المكان الذي لا نختاره نحن.
اختار الفقر لا كحرمان، بل كقرب.
اختار الهامش ليقول إن الخلاص لا يبدأ من القمم، بل من الجراح المفتوحة.
هناك، حيث الإنسان عاريًا من ادّعائه، يبدأ النور عمله الحقيقي.
وصمته لم يكن ضعفًا، بل شجاعة من نوع نادر.
شجاعة الوقوف أمام سرّ لا يُفسَّر، وحبّ لا يُمتلك.
كان يعرف أن بعض الأدوار العظيمة تُؤدّى في الظل،
وأن الحراسة أحيانًا أقدس من القيادة.
كان الرعاة يسهرون.
سهرهم لم يكن عملًا فقط، بل تشبهًا غير واعٍ بالله الساهر على العالم.
لذلك جاءت البشارة إليهم أولًا.
ليس لأنهم أنقى، بل لأن قلوبهم لم تُغلق بعد.
جاؤوا كما هم، بلا أقنعة، بلا لغة لاهوتية،
وجلسوا أمام الطفل وكأنهم عادوا إلى أصلهم.
المجوس لم يسيروا بدافع الإيمان، بل بدافع السؤال.
والسؤال الصادق، حين يُتبع حتى النهاية، يقود إلى الركوع.
حين وصلوا، فهموا أن الحقيقة لا تُختصر في فكرة،
وأن النور لا يُمتلك، بل يُعاش.
فقدّموا ذهبهم ولبانهم ومرّهم،
وكأن البشرية كلّها كانت تقول:
نحن هنا… بما لنا وما علينا.
لكن تغيّر الاتجاه.
لم تُمحَ المعاناة،
لكن لم تعد بلا رجاء.
صار الله قريبًا بما يكفي ليُلمَس،
وصار الإنسان مسؤولًا بما يكفي ليُحِبّ.
لا تعود إلى الماضي، بل إلى الجذور.
تعود إلى إيقاعٍ روحيّ يرفض العجلة،
ويصرّ على أن النور يحتاج وقتًا لينمو.
هو دعوة مفتوحة للعالم كلّه:
أن نعيد تعريف القوّة،
أن نُنصت لله وهو يهمس بدل أن يصرخ،
وأن نسمح للنور أن يولد فينا،
لا ليُدهشنا…
بل ليُغيّرنا.
تواضعٌ عميق،
نورٌ صامت،
وحقيقة تقول للإنسان أينما كان:
لستَ منسيًّا