
















اهلا الكبسولة السادسة والستّون
الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة
ما فعله ترامب برئيس فنزويلا نيكولاس مادورو يفعله بعضهم بتينتنا كلّ موسم. زرعناها في طرف الأرض قاصدين فتدلّت فروعها خارج الجدار وصارت مباحة متاحة لكلّ عابر سبيل حتّى لمن يأتي قاصدًا من بيته ليأكل منها. غير أنّ بعض الناس لا تكفيه حصّة عابر السبيل خارج الجدار فيقتحم الحدّ ويدخل إلى الأرض ليملأ بطنه من حصّتنا نحن ويملأ كيسًا ليطعم أهله ورَبعه.. وحسب التفكير البوست كولونياليّ ترامب وذاك الذي يُغير على التينة لا يختلفان. كلاهما يخضع للمعاينة والدرس بآليّات منهجيّة واحدة.
كلّ الشخصيّات التي كتبتُ عنها في كبسولات سابقة هي نماذج ترامبيّة ساذجة تنطق من حنجرة الجماعة من حيث لا تدري! وهي تنهض بالضرورة على منظومة اصطلاحيّة سباعيّة مسحوبة من عمق التفكير البوست كولونياليّ:# الهيمنة والتبعيّة والتراتب والخصومة والنسق والثقافة والممارسة. الهيمنة تفرز أنماطًا عديدة من التبعيّة في كلّ المجتمعات من الوَبَر والمَدَر حتّى الحَضَر. وهذا التعالق بين الهيمنة والتبعيّة يتمظهر في كلّ علاقة تراتب (Hierarchy)، كهذه التي تكون مثلًا بين الأب وأسرته والزوج وزوجته والحمولة/القبيلة والفرد والسلطة والمواطن والدولة المتنفّذة والدولة المستضعَفة.. هذه التراتبات الأبويّة والجندريّة والقبليّة والسياسيّة والاستعماريّة، تُنتج خصومات تصير بالتراكم والتداول أنساقًا مضمرة صامتة يمتدّ أثرها إلى عقود وقرون. والأنساق تفرز ثقافات نمطيّة تُترجَم إلى ممارسات يوميّة تنسرب إلى كلّ #الجحور والشقوق الحياتيّة اليوميّة الممكنة. والتفكير البوست كولونياليّ يعاين الآثار الكارثيّة الممتدّة لهذه الأنساق وانعكاساتها الثقافيّة العامّة وترجماتها العمليّة في كلّ مناحي الحياة.
يعنيني بصفة خاصّة نسق الجماعة مثلما ينعكس في مفاهيم القبيلة والحمولة والطائفة والعائلة والأسرة. ونسق الجماعة في أصله مفهوم عصبيّ أنتروبولوجيّ يسطو على الفرد ويصادر حقّه في فرادته وفردانيّته. وهكذا تميع الحدود الصارمة بين ما هو ملكي أنا وما هو ملكك أنت، بين ما هو شأني وما هو شأنك.. ما يعني أنّ نسق الجماعة يحتمي بالفرد أكثر ممّا يحميه. وحتى يظلّ الفرد تحت نظر الجماعة لا بدّ من آليّات إجرائيّة تضمن ذلك. فكانت الوصاية والرقابة والتلصّص والتنصّت أنجع ما تمارسه الجماعة على الفرد حتى لا يخرج عن الإجماع ولا يهدّد مفهوم الجمع.. وهذه كلّها تفضي إلى ثقافات قمعيّة كثيرة أبرزها: الإتاحة والإباحة والاستباحة والاقتحام والتدخّل والسطو والتشارك والتقاسم والتملّك.. ولأنّ هذه الأنساق والثقافات تتكدّس ببطء، على امتداد عقود وقرون، فهي تتغلغل بصمت في العقليّة العامّة وتصير جزءًا بنيويًّا منها. وهذا بالضبط ما يجعل ممارستها آليًّة تلقائيًّة لا تدركها اللغة ولا المُساءلة.
ذكّرني ترامب بأيّام استطاع فيها أيّ واحد من الناس أن يدخل، باسم حقّ الجماعة، إلى كلّ مقثاة بطيخ أو شمّام ليقطع منها أكبر بطيخة أو شمّامة دون أن يرمش! أو يدخل إلى أيّ كرم عنب أو أيّ مارس أرض "ليحلش عُبُط" حمّص يحمله تحت إبطه ثم يسير به مزهوًّا دون أن يحسبه تعدّيًا ودون أن يُحسب الأمر عليه سرقة! عُرْف غريب!