
















اهلا سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح ليست سورة يوسف قصةً تُروى، بل تجربةً إنسانية تُعاش. منذ اللحظة الأولى، لا يُنتزع يوسف من مكانه فقط، بل من تعريفه الأوّل: الابن، المحبوب، الآمن. إخوة يوسف لا يُقرأون بوصفهم شخصياتٍ تاريخية، بل رموزًا نفسية وأخلاقية مكثّفة. إنهم الغيرة حين تعمى، والمقارنة حين تتحوّل إلى عداء، والخوف من التفوّق حين يصبح مبرّرًا للإقصاء. إنهم الوجه المظلم في النفس الإنسانية، الذي يعجز عن مواجهة عتمته، فيسعى إلى إطفاء نور الآخرين. تنتقل السورة من الجبّ إلى العبودية لا كانتقالٍ مكاني، بل كمرحلةٍ في تشكّل الوعي. ثم يأتي السجن، لا بوصفه عقوبة، بل بوصفه رحمًا للتحوّل. الرؤيا في السورة ليست مجرّد تنبؤ، بل لغة بديلة حين تعجز اللغة المباشرة. وحين يبلغ يوسف موقع السلطة، لا ينتقم. وفي المقابل، يقف يعقوب صورةً أخرى للصبر: الصبر الجميل. تقول سورة يوسف، في عمقها الإنساني، ما لا يُقال مباشرة: أحيانًا يتأخّر الفرج لأن الروح لم تنضج بعد، يوسف لم يصل إلى القصر مصادفة،
بقلم: رانية مرجية
إنها نصٌّ يتجاوز السرد الديني إلى بناءٍ وجوديٍّ عميق، يعيد تعريف الألم، ويختبر معنى العدالة، ويكشف كيف تتشكّل الروح حين تُسلب منها الطمأنينة. سورة لا تُخبرنا عمّا جرى فحسب، بل تقودنا بهدوءٍ بالغ إلى مواجهة سؤالنا الشخصي: ماذا نفعل حين نُلقى في جبابنا الخاصة؟
الجبّ هنا ليس حفرةً في الأرض، بل عزلةٌ وجودية، لحظة انكسار الثقة حين يأتي الخذلان من حيث توقّع الإنسان الحماية. عند هذا الحدّ يتشكّل السؤال الفلسفي المركزي في السورة: كيف نحافظ على جوهرنا حين تنهار خرائط الأمان؟
يوسف عبدٌ في الظاهر، لكنه يحتفظ بحريته الداخلية كاملة. الحرية هنا ليست موقعًا اجتماعيًا، بل موقفًا أخلاقيًا: القدرة على صون الجوهر وسط الإذلال. وفي بيت العزيز يبلغ الامتحان ذروته؛ حيث تتقاطع السلطة والجمال والرغبة. يوسف لا يرفض امرأة، بل يرفض أن يخون صورته الداخلية، أن ينحدر إلى ما دون ما يعرف أنه قادر على أن يكونه.
في العتمة تتخلّق الرؤيا، وفي الصمت يتبلور المعنى. يوسف في السجن لا يسأل: لماذا أنا هنا؟ بل يسأل السؤال الأعمق: من يجب أن أكون وأنا هنا؟ وهنا تتجلّى عظمة السورة الفكرية؛ فالألم ليس المشكلة، بل غياب المعنى. والسجن، على نحوٍ مدهش، لا يقيّد رسالة يوسف، بل يمنحها صفاءً وعمقًا.
يوسف قادر على التأويل لأنه عاش الرموز قبل أن يفسّرها. من ذاق الجبّ يفهم الحلم، ومن عبر الألم دون أن ينكسر يملك مفاتيح المعنى. المعرفة هنا ليست تراكُمًا ذهنيًا، بل حكمةٌ مرّت عبر الجرح وبقيت حيّة.
هنا الذروة الأخلاقية للنص.
الانتصار الحقيقي لا يكون بردّ الأذى، بل بتجاوزه.
عبارة العفو ليست عاطفةً عابرة، بل إعلان تحرّر من أسر الماضي. يوسف لا ينكر الجريمة، لكنه يرفض أن يُعرّف ذاته من خلالها. إنه يختار المستقبل بدل أن يسكن الذاكرة الجريحة.
ليس الصبر الذي يُنكر الألم أو يبتلعه، بل الصبر الذي يرفعه إلى الله دون تشويه ودون ادّعاء. يفقد يعقوب بصره، نعم، لكنه لا يفقد بصيرته. الفقد في السورة ليس نقيض الرجاء، بل معبره الصامت.
ليس كل سقوط نهاية،
ولا كل ظلم هزيمة،
ولا كل تأخير حرمان.
وأحيانًا يُغلق الباب لأن الدرس لم يُستوعَب.
بل لأنه بقي يوسف في الجبّ، وفي الرقّ، وفي السجن.
ومن يظلّ وفيًّا لجوهره،
تأتيه الحياة في اللحظة التي تشبهه…
لا قبلها، ولا بعدها.