
















اهلا المنطقة تقف أمام مواجهة محتملة لكنها مؤجلة وقد لا تكون بعيدة زمنياً إلا أنها تنتظر نضوج شروطها السياسية والإقليمية والدولية..
أن المشهد الإقليمي الراهن يضع المنطقة أمام سؤال مركزي: هل نحن ذاهبون نحو حرب حتمية أم نحو تسوية كبيرة؟ معتبراً أن الإجابة تقتضي قراءة دقيقة للوضع القائم، الذي يتسم بمزيج معقد من الاستعدادات العسكرية القصوى، يقابلها في الوقت نفسه إعلان نوايا للذهاب إلى التفاوض الدبلوماسي كخيار اضطراري لتفادي مواجهة كبرى في هذه المرحلة.
بإعتقادي أن الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب إسرائيل، رفعت منسوب الجاهزية العسكرية إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل بقاء احتمالات المواجهة قائمة، إلا أن هذا التصعيد يترافق مع رغبة معلنة في فتح مسار تفاوضي، ليس بالضرورة للوصول إلى تسوية شاملة، بل إما لكسب الوقت أو لاستخدام الدبلوماسية كذريعة لاحقة للعودة إلى خيار القوة.
تجدر الاشارة إلى أن الفجوة بين المواقف الأمريكية والإيرانية عميقة، فيما تبدو الهوة أوسع مع الموقف الإسرائيلي، ما يجعل من الصعب جسر هذه التباينات عبر مفاوضات دبلوماسية قادرة على إنتاج اتفاق مستقر طويل الأمد.
والملفت أن هذا التناقض بين الاستعداد للمواجهة والرغبة في التفاوض يعكس حالة سيولة استراتيجية، تسمح لكل طرف بإبقاء كل الخيارات مفتوحة.
والأسابيع الأخيرة شهدت مؤشرات على تقليص التصعيد العسكري، ولو على المستوى الإعلامي، مرجعاً ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية: أولها ارتباك الإدارة الأمريكية إزاء كلفة الحرب وتداعياتها ونتائجها غير المضمونة؛ وثانيها الوضع الداخلي الأمريكي، الذي يشهد معارضة متنامية لأي انخراط في حروب خارجية؛ وثالثها الموقف الإقليمي العام، الذي ترفض دوله الرئيسية، وفي مقدمتها تركيا والسعودية ومصر، الذهاب إلى مواجهة عسكرية تهدد استقرار المنطقة ومصالحها المستقبلية.
كما واعتقد جازما أن إسرائيل تبقى العامل الأكثر زعزعة للاستقرار، والطرف الأقدر على قلب الطاولة عبر خطوة أمنية أو عسكرية كبيرة، ما يجعلها المتغير الأخطر في معادلة التصعيد أو التهدئة
أما حول المرحلة المقبلة، فالواضح أن تقييم الاتجاهات المحتملة يتطلب مراقبة ثلاثة معايير أساسية: أولها تطور الوضع الداخلي الإيراني، بما يشمل الاحتجاجات، والضغوط الاقتصادية، والتحركات الاستخبارية الخارجية، وتأثير ذلك على الرأي العام؛ وثانيها مدى ليونة الموقف الإقليمي تجاه أي مواجهة عسكرية محتملة؛ وثالثها حاجة الولايات المتحدة إلى ذريعة سياسية أو تفاوضية تبرر بها أي عمل عسكري واسع.
مع التأكيد أن هذه المعايير، حتى الآن، لم تنضج بالشكل الكافي الذي يسمح بالذهاب إلى مواجهة قاصمة تستهدف إسقاط النظام الإيراني.
بترجيحي، أن السيناريو الأقرب هو "سيناريو الخروج من الإحراج"، الذي يسمح لواشنطن بحفظ ماء وجهها، عبر فرض أمر واقع محدود دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو فرض استسلام دبلوماسي كامل على إيران.
فمهما يكت من أمر، فأن المنطقة تقف أمام مواجهة محتملة لكنها مؤجلة، وقد لا تكون بعيدة زمنياً، إلا أنها تنتظر نضوج شروطها السياسية والإقليمية والدولية.