X أغلق
X أغلق
الطقس
° - °
ترشيحا
° - °
معليا
° - °
بئر السبع
° - °
رام الله
° - °
عكا
° - °
يافا
° - °
القدس
° - °
حيفا
° - °
الناصرة
اسعار العملات
دولار امريكي
3.445
جنيه استرليني
4.1949
ين ياباني 100
2.5079
اليورو
3.6240
دولار استرالي
2.3021
دولار كندي
2.5184
كرون دينيماركي
0.4872
كرون نرويجي
0.3437
راوند افريقي
0.1994
كرون سويدي
0.3316
فرنك سويسري
3.6639
دينار اردني
4.8531
ليرة لبناني 10
0.0228
جنيه مصري
0.1398
اعلانات يد ثانية
تصفح مجلدات وكتب
الاستفتاء
مواقع صديقة

قُبْعِة ستي.. عفيفة مخول خميسة - معليا

admin - 2026-02-26 23:29:34
facebook_link

اهلا

من مفكّرتي __(1999)

     1 _قُبْعِة ستي.. عفيفة مخول خميسة - معليا

 هذه حالي مع "قُبْعة" القشّ هذه؛ ما عزمتُ يومًا على تهذيب أشيائي إلّا وأقحمتها في الفوضى... أُحمّلها ما لا تقوى على حمله الساعة النوويّة، أُصدّرها تلك الزاوية من السدة، واثقة أنّها لن تفرّط بملحفة الغبار إلّا بإشارة منّي! صابرة عليّ صبرَها على تلك القوارض المجهرية تنخر أحشاءها.

   عدتُها بعد هجر طويل أتفقّد أحوالها، فهالني سقوطها فوق مسطبة من الطحين التبنيّ! رفعتها، فانهارت تفرد كومة من فتات الأوراق، أو أشباه الأوراق! يا "للكارثة"!؛ ما الذي سقط صريع إهمالي؟ أيّ تاريخ توثيقيّ؟ أيّ وديعة من رفيقات فكري وعواطفي؟ أيّ حكمة أو بيت شعر فيه لمعة ملفتة كنتُ اقتنصتُها خلال رحلات صيد المعارف؟ أما كلّ هذا فيمكن تعويضه... وأما قُبْعة ستي فمن يعوّضها؟ ما أشدّ حزني على عمل يديكِ جدّتي، تلتهمه قبيلة من الفسفس!

   على مشهد الدمار هذا أربض لاوية أستحضر ستّي منزرعة في بيدر من سيقان سنابل الذهب الممشوقة... وأندهش، ولم أندهش حين كنتُ أقرأها تعريجًا! لم تكن ستّي تدور مع ساعة النعاس منسجمة بحلم ملك... كانت تعلّم القشّ الغزل، ليًّا فنّيًّا متناسقًا يلتقي حبالًا متناسقة الألوان والقوام... ابتسامة قنديل المساء تنعكس على كفّيها  صمتًا يهندس بالمخرز طرقًا متساوية الأبعاد لخيط من القشّ تُحبَك به، وتُثبّت الحبال أجسامًا ملولبة، تضيق وتتّسع بحسب زاوية ظلّ خيال الغزّالة، أو حاجتها لطبق أو منسف لنشر الخبز أو نقل أطباق المائدة... أو لتبريد القهوة بعد التحميص... أو قبْعة تجمع شتات أغراض متفرّقة... وهذه تنتهي بإطار من الحلقات دقيقة الأبعاد متوّجة بخليط   من الألوان الصارخة، ومثلها الطبق العازل للحرارة.

    لم يبقَ من مملكة ستي غير حصن ذاكرة مجمّلة بدربزين مثلّث الحلقات رأس المثلّث يختلف لونًا عن ساقيه... هذه القلعة تمكّنت من حفظ ما لم تقوَ على تدميره هزّات السنين... لكنّها التهمت منها ما التهمت ومزّقت ما مزّقت من أقمشة عاطفيّة، يدّعى ظلمًا، أنّ مدة صلاحيتها قد انتهت! وأنّ القليل منها لا ينفع إلّا لتسلية الفراغ!

      ضحكتُ منّي أبحث في كومة التبن هذه عن الإبر التي خيّطتُ بها أكمام وياقات ثياب هذا الهوى... وما إن استوفيتُ نبشها حتى انقلبتُ عليّ! فرِحتُ بما وجدتُ من بقايا الحروف وأجزاء الجُمل! بهذه اللقية سأٌعيد ما أمكنني حبك حبال حكايات كانت قابعة في عتم السدة محاطة بحلقات من جدايل القمح.

    قريبًا من السطح ورقة ملفوفة بعناية كما لو كانت سيجارة، لم تصل النار جوفها! فردتها... قرأتُ سطرين مبتورَيّ الأطراف، وفيهما مجموعة من العناوين الناجية من المقتلة. بفضل قُبْعة ستي الحبيبة، لا بفضلهما تفرّغتُ للتوّ لكتابة هذه الخاطرة؛ فالعناوين اللجوجة عادة ما تصرفها من الباب تعود من الشبّاك... على عكس ذاكرة الأشخاص التي تنتظر مناسبة خاصة ودعوة خاصة.

    في اللفافة جملة من العناوين المتمحورة حول تعاونية" الحواسّ"، ذكّرتني بالحصار الذي ضرَبته عليّ هذه الخماسيّة.. وكيف أغرقتني فيما سمّيته: "فلسفة الحواسّ". لم أستحدث فلسفة. فهي إمبراطورية قائمة منذ تربّع العقل على عرشه!

  "حسّك شلبي"!

    "تمسمرتُ" أحفر في ذاكرتي حتى وصلتُ إلى المناسبة المباشرة التي دفعتني لرصّ هذه العناوين: "السمَع بكر أبناء العقل". "العين مزيّنةٌ ذوّاقةٌ ومحترفة، والأُذن عرّابتها العاقلة". " الأُذن هيكل الفكر المقدّس، والعين مورده العذب".  الأُذن مطبخ الحياة المنكّهة بالحكمة، والعين مائدتها المترفة بالطيّبات...

  لم أستغرب تكرار محاولة الغوص في هذا العالم المثير، والذي لا يخضع لحركة الزمن المتقلّبة باستمرار. لكنّني تنبّهتُ للعلاقة اللغويّة العميقة بين العاميّة والفصحى، والتي تؤكّد على حقيقة الترابط بين أطراف الفكر في حالة الإحساس عن طريق السمع. ففي تعبير العاميّة عن الصوت الحسن بِ" الحسّ الشلبي"، دليل على أنّ الصوت يتولّى مهمة الإحساس نقلًا مباشرًا عالي الدقّة. ويُفهم من هذا أنّ الصوت رديف، أو مرآة لبصمة الحسّ، وقد توصّل اللسان لهذا دون الرجوع لباب الأصوات في القاموس العلميّ، لمعرفة أنّ " الحسيس" هو الصوت الداخليّ!! وقد أصاب شاعرنا بشّار بن برد إصابة علميّة بالغة بقوله:

أُذني لبعضِ الحيِّ عاشقةٌ        والأُذنُ تعشقُ قبلَ العينِ أحيانا

     سمعتُ عن الحسّ الشلبي مرارًا... ولم يستوقفني التعبير. لكنّني، وأثناء هذه الاستراحة في مجلس الذاكرة، استعدتُ أبي، رحمه الله، يخاطبني، وقد توقّفتُ عن الغناء حالما اقترب: "حسّك شلبي! مسْتْحِيّه فيه بستمعيه لحالك؟ مالها فيروز؟ سُمعتها عاطله؟ مضى على وفاته أكثر من ربع قرن، وما يزال صدى نبرته صدقًا يتردّد في سمعي دعوة مباشرة واضحة للتمعّن فيما تتعرّض له حاسّة السمع المقدسة من حصار وتعنيف وتلويث... وتكبيل وقمع لتوارد الأفكار المبطَن بالحكمة بين حواسّ الطبيعة وحواسّ الإنسان. 

    بعيدًا عن قولهم: "كل فتاة بأبيها معجبة"، أُعجبْتُ به وأكبرْتُ شجاعته بالتحليق على أجنحة النغم في زمن يحظُر على "الرصين" التغريد خارج أسراب جيله المقيّد المحكوم لصفّارة قائد فرقة الأخلاق العليا. وكانت القرون العثمانية قد فتكت بالنفوس... وحجرتها داخل أسوار السعي المتواصل للقمة العيش، مع التجرّد الكليّ من الإحساس بقيمة الرقص مع الحياة... هذا، فيما قامت الحياة في مجالس الخاصة رقصًا ومسرحًا... وغناء وبذخًا... وعربدة... وقد تخلخلت في أذهان أبناء الأرض الكادحين القناعة بأنّ " الشغل بجوهر البدن". واستحدث أبي لها الإضافة: " وبتزيد بركته (الشغل) لما تشتغل الذان والعين؛ هاي بتنظّف العقل وبتصفّيه، وهاي بتغسل القلب وبتروّق النفس! وديع الصافي بعزمك عالطيران... وفيروز بتقلّك خلّيك عالأرض أسلملك! إمسعوا، وما بتحسّوا كيف التعب بطير! ثنناتن بحبّوش القرقعه"!!

   أما وقد أُقفلت النوافذ دون سماع حسيس النفس، فقد جفّت مصادر العواطف الإنسانيّة الطبيعيّة... وراكمت السنون الأخيرة خللًا مقلقًا في توزيع المؤثرات الحسيّة، بانحياز سافر لحواسّ الإثارة الجسديّة، مع استدارة صريحة فاقعة للمؤثّرات السمعيّة... وإذ تتعطّل لغة الكلام تُشَلّ الرغبة بصناعة الجمال الفكريّ، وتتقطّع حبال تواصله معه. وتبقى العين في الميدان عرّابة قائمة بأعمال مسرح دمى الجمال المتحرّك الساكت...

    وخلصْتُ بنصيحة لولد الولد: أذنكَ ثمّ أذنكَ ثمّ أذنكَ... ثمّ عينكَ ثمّ عينكَ... واترك للغريزة حرية إدارة بقية الحواسّ... أمّن على سمعك من الكوارث العصريّة.. وعقّمه بشكل دوريّ... فهو أثمن هبات الله المخصّصة لرعاية الفكر والروح على حدّ سواء

    ربِّ أذنك وابذل ما استطعت لتهذيبها... ولا تستهجن إن سمعْتَ أحدهم يومًا يرجو الله أن يعفو عن سمعه، فيما لو حُكِم عليه بإعادة حواسّه لواهبها!                   

 

 

 



مواضيع متعلقة
اضف تعقيب

اسم المعلق : *
البلد :
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق الكامل :
تعقيبات الزوار
مواقع اخبار عبرية
مواقع اخبارية عربية
مواقع اقتصادية
مواقع رياضة
بنوك
راديو