
















اهلا العالم يعيد تموضعه: قراءة في أطروحة فريد زكريا حول النظام ما بعد الأمريكي السيادة الوطنية والمصالح القومية الضيقة أصبحت هي المحرك الأساسي، بدلاً من الأيديولوجيات الكبرى التي كانت تحكم الحرب الباردة. الدرس المستفاد: على واشنطن أن تتعلم كيف تكون شريكاً في عالم متعدد الأقطاب، بدلاً من أن تحاول استعادة دور الشرطي الوحيد، لأن العالم بالفعل بدأ المضي قدماً، والقطار غادر محطة الإجماع الواشنطني إلى غير رجعة.
بقلم: د. علاء أبوعامر
لطالما اعتُبرت واشنطن، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، المغناطيس الذي تنجذب إليه السياسات العالمية. لكن في مقاله الأخير بمجلة فورين بوليسي، يطرح الكاتب والمحلل فريد زكريا رؤية مغايرة؛ مفادها أن العالم لم يعد يدور في الفلك الأمريكي كما كان. نحن لا نشهد انهياراً لأمريكا بالمعنى التقليدي، بل نشهد إعادة تموضع عالمي ذكي، حيث بدأت القوى الإقليمية والدولية في رسم مساراتها الخاصة بعيداً عن الإملاءات أو الحماية الأمريكية المطلقة.
يرتكز تحليل زكريا على عدة ركائز أساسية تفسر هذا التباعد:
1️⃣ يُشير المقال إلى أن دولاً مثل الهند، البرازيل، تركيا، والسعودية، لم تعد تقبل بصيغة معنا أو ضدنا. هذه الدول تمارس البراغماتية الاستراتيجية، فهي تتحالف مع واشنطن في ملفات، وتتعاون مع الصين وروسيا في ملفات أخرى، مما يجعلها لاعباً مستقلاً لا يمكن التنبؤ بقراره بناءً على الولاءات القديمة.
2️⃣ يُحلل زكريا كيف أن الإفراط في استخدام العقوبات الاقتصادية من قبل واشنطن دفع دول العالم للبحث عن بدائل مالية. هذا التوجه نحو إلغاء الدولرة ، ليس سريعاً، لكنه يعكس رغبة عالمية في كسر الهيمنة المالية التي تجعل اقتصاديات العالم رهينة للسياسة الخارجية الأمريكية.
3️⃣ يرى زكريا أن الاستقطاب السياسي الحاد داخل الولايات المتحدة جعل حلفاءها يشعرون بالقلق. السياسة الخارجية الأمريكية أصبحت متقلبة وتتغير بشكل جذري مع كل دورة انتخابية، مما دفع الدول للتحوط وبناء ضمانات أمنية واقتصادية ذاتية.
إن ما يطرحه زكريا هو أننا ننتقل من عالم أحادي القطب إلى عالم أكثر تعقيداً، حيث القوة موزعة ومنتشرة.
العالم اليوم لا يهرب من أمريكا ليرتمي في أحضان الصين، بل يهرب من التبعية ليكون لنفسه حيزاً من المناورة.
أطروحة فريد زكريا تضع الإصبع على الجرح؛ المشكلة ليست في ضعف أمريكا، بل في نمو الآخرين. لقد نجح النظام العالمي الذي أسسته واشنطن في جعل الدول الأخرى قوية اقتصادياً، وهذه القوة ترجمت الآن إلى استقلال سياسي.