















اهلا قلعة الشقيف اللبنانية (Château de Beaufort)....حين عاد بي الزمن إلى عصر الفرسان الصليبيين !
كتب فادي شربل داود
تقف قلعة الشقيف، أو «شاتو دو بوفور» (Château de Beaufort)، شامخةً فوق صخرة شاهقة ترتفع نحو سبعمئة متر عن سطح البحر، مشرفةً على مجرى نهر الليطاني وسهول الجنوب اللبناني. ومنذ قرون طويلة، تتربّع هذه القلعة على واحدة من أكثر المواقع الاستراتيجية أهميةً في المشرق، حتى بدا كأن الصخور نفسها اختارت هذا المكان لتقيم عليه حصناً لا يُقهر....
يعرفها العرب باسم «قلعة الشقيف أرنون»، أي قلعة الصخرة العالية، بينما أطلق عليها الصليبيون اسم «بوفور» أو «الحصن الجميل»، لما تمتّعت به من موقع مهيب وإطلالة واسعة تمتدّ من جبال لبنان إلى سواحل البحر المتوسط.
وعندما أقف اليوم بين حجارتها العتيقة، يعود بي الزمن إلى القرن الثاني عشر، إلى أيام الفرسان الصليبيين الذين حوّلوا هذا الموقع الطبيعي المنيع إلى واحدة من أعظم قلاع الشرق اللاتيني.
عام 1139، سلّم أتابك دمشق شهاب الدين السهروردي (Shihab al-Din al-Suhrawardi) القلعة إلى ملك القدس الصليبي فولك الخامس الأنجوّي (Foulques V dAnjou)، المعروف عربياً بفولك الأنجوّي. ومنذ ذلك التاريخ بدأت المرحلة الصليبية الحقيقية في تاريخ الشقيف.
أدرك الفرسان بسرعة أهمية الموقع، فقاموا بتوسيع التحصينات وحفر الخنادق العميقة في الصخر حول جوانب القلعة. وشُيّدت الأبراج والأسوار والردهات والقاعات العسكرية، حتى تحوّلت القلعة إلى حصن متقدّم يحمي الحدود الشمالية لمملكة القدس اللاتينية.
كانت القلعة جزءاً من سيادة صيدا الصليبية (Seigneurie de Sidon)، وأصبحت مركزاً عسكرياً وإدارياً مهماً يراقب الطرق الواصلة بين دمشق وصيدا وصور والجليل. ومن فوق أسوارها كان الحراس يراقبون تحركات الجيوش والقوافل في السهول الممتدة أسفلها.
وفي عام 1179، وبعد معركة مرج عيون الشهيرة، احتمى عدد من الفرسان الصليبيين بأسوار الشقيف بعدما تكبّدوا خسائر كبيرة أمام قوات المسلمين.
لكن الامتحان الأصعب جاء بعد معركة حطين سنة 1187، حين اجتاحت جيوش السلطان صلاح الدين الأيوبي (Saladin) معظم مدن ومواقع مملكة القدس. ومع ذلك بقيت قلعة الشقيف صامدة بفضل حاكمها الشهير رينو غرينييه أو رينو الصيداوي (Renaud Grenier de Sidon).
ويحكي المؤرخون أن رينو استخدم الحيلة والدهاء لإطالة أمد المقاومة. فعندما أرسل صلاح الدين يطالبه بالاستسلام، أوهمه بأن القلعة ما زالت تحت سيطرته الكاملة، فيما كانت أجزاء منها قد سقطت بالفعل. واستمر الحصار أشهراً طويلة، قبل أن تسقط القلعة أخيراً سنة 1190 بعد مقاومة بطولية دامت نحو عام كامل.
وبقيت الشقيف في أيدي المسلمين نحو نصف قرن، إلى أن شهدت المنطقة حدثاً استثنائياً سنة 1240. ففي خضم الصراعات بين أمراء الدولة الأيوبية، عقد الملك الصالح إسماعيل (Al-Salih Ismaïl)، حاكم دمشق، تحالفاً مع الفرنجة بقيادة تيبو الرابع كونت شمبانيا (Thibaut IV de Champagne).
وبموجب الاتفاق أعاد الصالح إسماعيل للفرنجة مناطق واسعة من الجليل وجبل عامل، وفي مقدمتها قلعة الشقيف. غير أن حامية القلعة رفضت تنفيذ أوامر التسليم، معتبرةً ذلك خيانةً للإسلام. واضطر الصالح إسماعيل إلى حصار القلعة بنفسه حتى أخضع المدافعين وسلّمها إلى الصليبيين.
وهكذا عادت الشقيف إلى سيادة آل صيدا، قبل أن تنتقل سنة 1260 إلى فرسان الهيكل (Les Templiers)، بعدما باعها لهم جوليان الصيداوي (Julien de Sidon) مع أملاكه المحيطة، لعجزه عن تحمّل نفقات الدفاع عنها.
في تلك السنوات الأخيرة من الوجود الصليبي، كانت القلعة إحدى أقوى القواعد العسكرية لفرسان الهيكل في بلاد الشام. وأضيفت إليها تحصينات جديدة وأبراج متقدمة لحماية الهضبة الجنوبية.
غير أن نجم المماليك كان قد بدأ بالصعود بقيادة السلطان الظاهر بيبرس (Baybars). وفي ربيع سنة 1268 وصل جيشه إلى أسوار الشقيف، ترافقه ست وعشرون آلة حصار ضخمة. وتعاقبت الضربات على الأسوار أياماً طويلة حتى اضطر المدافعون إلى الاستسلام في 15 نيسان 1268.
وبسقوط الشقيف انتهى الفصل الصليبي من تاريخ القلعة، بعد أكثر من قرن من الصراعات والحصارات والتحالفات التي جعلت منها إحدى أشهر قلاع المشرق الوسيط.
لكن الشقيف لم تمت.
فعلى مدى القرون التالية تعرّضت للحروب والزلازل والإهمال، وتهدّمت أجزاء كبيرة من أبراجها وأسوارها. ومع ذلك بقيت صامدة فوق صخرتها، شاهدةً على تعاقب الدول والإمارات والجيوش.
واليوم، حين تتأمل حجارتها العتيقة التي لامستها أيدي الفرسان والرهبان والجنود والسلاطين، تدرك أن هذه القلعة ليست مجرد بناء أثري، بل صفحة حيّة من تاريخ لبنان.
وكما نهض طائر الفينيق مراراً من تحت الرماد، ستنفض قلعة الشقيف عنها غبار الحروب والاحتلالات، وتبقى شامخة فوق صخرتها، حارسةً لذاكرة الجنوب، وعائدةً دائماً إلى حضن الوطن الذي لم تغادره يوماً....
© فادي شربل داود – جميع الحقوق محفوظة. يُسمح بمشاركة هذا المقال كما هو، شرط الإبقاء على اسم الكاتب وعدم حذف أو تعديل أي جزء من النص.
فادي شربل داود
١ حزيران ٢٠٢٦