
















اهلا- يوسف العودة-عمان اتفاقية وادي عربة: كيف حوّلت إسرائيل الأردن إلى دولة عازلة واستباحت حدوده:
26 أكتوبر 1994 – "السلام البارد" الذي لم يسخن قط:
على الحدود بين الأردن وإسرائيل في منطقة وادي عربة القاحلة، اجتمع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين والملك حسين بن طلال لتوقيع معاهدة سلام أنهت رسمياً حالة الحرب التي استمرت 46 عاماً.
حضر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وابتسم الجميع للكاميرات. لكن ما لم تنقله الكاميرات هو أن هذا "السلام" كان من طرف واحد، وأن إسرائيل لم تلتزم يوماً بروح الاتفاق، بل استغلت بنوده لتحويل الأردن إلى "محمية" أمنية واقتصادية.
بعد 30 عاماً من التوقيع لم يحصل الأردنيون على "عوائد السلام" التي وُعدوا بها من الاستثمارات، والمياه، والتنمية. بل حصلوا على خرق متكرر لسيادتهم، واستباحة مجالهم الجوي، وتحكم إسرائيلي بمواردهم المائية، ومشاعر إهانة وطنية لا تزول.
هذا التحقيق يكشف البنود والتفاهمات السرية، وكيف استخدمت إسرائيل كل ثغرة في الاتفاق لخدمة أجندتها على حساب الأردن.
الحدود -- "خط الهدنة" الذي تحول إلى "خط إسرائيلي متحرك" :
ما تنص عليه الاتفاقية: المادة 3 من معاهدة وادي عربة تنص على أن "الحدود الدولية بين إسرائيل والأردن هي الحدود كما وردت في الانتداب البريطاني، مع تعديلات طفيفة". تم وضع 124 عاموداً حدودياً في منطقة وادي عربة، وتم تحديد المنطقة بدقة.
هل احترمت اسرائيل الاتفاق؟: إسرائيل لم تحترم مبدأ "عدم جواز انتهاك الحدود". طوال سنوات استخدم سلاح الجو الإسرائيلي المجال الجوي الأردني بشكل متكرر دون إذن مسبق، بحجة "الأمن".
أبرز مثال كان في أبريل 2024 عندما اعترف ضابط في سلاح الجو الإسرائيلي بأن طائرات إسرائيلية استخدمت الأجواء الأردنية لاعتراض المسيرات والصواريخ الإيرانية خلال "الوعد الصادق 1".
الحكومة الأردنية نفت ذلك رسمياً، لكن التقارير الاستخباراتية تؤكد العكس.
أخطر ما كشفته تحقيقات "صفحة احترام" هو أن إسرائيل، منذ عام 2015، تعمل على إنشاء "منطقة عازلة" داخل الأراضي الأردنية على طول وادي عربة، بزعم مكافحة التهريب والإرهاب.
هذه المنطقة تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية بحكم الأمر الواقع، ويُمنع الأردنيون من الاقتراب منها. هذا يشبه ما حدث في سيناء، لكن بصمت أردني مطبق.
المادة 4 من الاتفاقية تحظر على أي طرف "السماح بدخول أو تمركز قوات تابعة لطرف ثالث في أراضيه".
لكن الأردن سمح مراراً لقوات أمريكية وبريطانية باستخدام قواعده، كما سمح لطائرات إسرائيلية بعبور مجاله الجوي. هذا يعتبر انتهاكاً صريحاً، لكنه يمر دون عقاب.
المياه – "نهر الأردن" الذي جف من الوعود:
ما تنص عليه الاتفاقية: الملحق الثاني من المعاهدة يخصص حصصاً مائية للأردن من نهر اليرموك ونهر الأردن بحوالي 12 مليون متر مكعب في الصيف و13 في الشتاء من اليرموك، و20 مليون متر مكعب إضافية من نهر الأردن. كما يسمح للأردن باستخدام مياه جوفية من منطقة وادي عربة.
ما الذي حدث؟: إسرائيل لم تلتزم أبداً بهذه الحصص. في سنوات الجفاف، كانت تقطع المياه عن الأردن دون سابق إنذار. وتقارير وزارة المياه الأردنية تشير إلى أن إسرائيل لم تسلم للأردن أكثر من 60% من حصته المتفق عليها خلال العقدين الماضيين.
كما أن الآبار الجوفية في وادي عربة، التي نصت المعاهدة على بقائها تحت السيادة الأردنية، تم تجاوزها واستنزافها من قبل المستوطنين الإسرائيليين في منطقة "عيليسا" القريبة.
ما لم يُكتب في الملحق الثاني هو أن إسرائيل اشترطت سراً أن أي ماء يصل للأردن يجب أن يكون "بقسوة" أي بسعر السوق العالمية، وليس بسعر تفضيلي.
هذا أجبر الأردن على دفع مبالغ طائلة لشركة "ميكوروت" الإسرائيلية، بينما إسرائيل كانت تبيع المياه للأردن بأسعار أعلى مما تبيعه للمستوطنين داخل أراضيها.
الحلقة الأكثر إثارة للجدل كانت في عام 2016 عندما وقع الأردن صفقة غاز مع إسرائيل بقيمة 10 مليارات دولار لاستيراد الغاز من حقل "ليفياثان".
الصفقة قوبلت بمعارضة شعبية واسعة، لكن الحكومة أصرت عليها. ما لم يُعلن هو أن الصفقة كانت جزءاً من "تفاهمات سرية" لتبديد الاحتجاجات الأردنية حول خروقات إسرائيل لاتفاقية المياه. أي أن الغاز الإسرائيلي كان ثمناً لصمت الأردن على سرقة المياه.
السيادة – "المنطقتان الخاصتان" الباقورة والغمر التي أذلّت الأردن
ما تنص عليه الاتفاقية: الملحقان I(ب) وI(ج) من المعاهدة ينصان على أن منطقتي "الباقورة" (نهرايم) و"الغمر" (تسوفار) ستظلان تحت السيادة الأردنية لكن للأردن الحق في تأجيرها لإسرائيل لمدة 25 سنة قابلة للتجديد تلقائياً، مع إعطاء المزارعين الإسرائيليين حق استخدام الأرض.
ما الذب حدث؟: هذه البنود كانت بمثابة "وصمة عار" في جبين الأردن. فالأرض الأردنية أصبحت مؤجرة لإسرائيل، والإسرائيليون يدخلونها ويخرجون منها دون تأشيرة، بينما الأردنيون ممنوعون من الاقتراب.
حتى القوانين الأردنية لا تسري على هذه المناطق؛ فهي خاضعة للقانون الإسرائيلي في الممارسة العملية.
في أكتوبر 2018 أعلن الملك عبد الله الثاني أن الأردن لن يجدد عقد الإيجار وأن المنطقتين ستعودان للسيادة الأردنية الكاملة.
كان هذا قراراً شجاعاً. لكن ما لم يُقل هو أن إسرائيل استخدمت هذا التهديد كورقة ضغط للحصول على تنازلات أردنية في ملفات أخرى، كالسماح لطائراتها باستخدام المجال الجوي الأردني لضرب أهداف في سوريا والعراق.
عندما استعاد الأردن السيطرة على الباقورة في نوفمبر 2019 اكتشف أن الإسرائيليين دمروا معظم المنشآت الزراعية وتركوا المنطقة قاحلة. هم أرادوا إرسال رسالة: "إذا لم نستفد من الأرض، فلن تستفيدوا أنتم أيضاً".
الأمن – "التنسيق الأمني" الذي حوّل الأردن إلى درع إسرائيلي. :
ما تنص عليه الاتفاقية: المادة 4 تلزم الطرفين بـ"التعاون لمكافحة الإرهاب" و"اتخاذ تدابير لمنع أعمال العنف". كما تنص على إنشاء "لجنة اتصال" للتنسيق الأمني.
ما الذي حدث؟: هذا البند كان الغطاء المثالي لتحويل الأردن إلى "قاعدة خلفية" لإسرائيل.
التنسيق الأمني لم يقتصر على تبادل المعلومات الاستخباراتية، بل شمل تدخلات إسرائيلية مباشرة على الأراضي الأردنية.
أشهرها كانت محاولة اغتيال خالد مشعل في عمان عام 1997 عندما اجهز عملاء الموساد على وجههه بمادة لم تعرف لها البشرية مثيلا.
الملك حسين ثار وقتها، وأجبر إسرائيل على إرسال ترياق. لكن هذه الحادثة كشفت أن إسرائيل تعتبر الأردن ساحة عمليات مفتوحة.
في السنوات الأخيرة اكد شهود عيان لصفحة احترام عن وجود قواعد استخباراتية إسرائيلية في الأردن خاصة في منطقة عجلون والرمثا تهدف لمراقبة الحدود السورية والعراقية.
بعض هذه القواعد تعمل تحت غطاء "مراكز تدريب" أو "محطات اتصالات". لم تنكر إسرائيل أو تؤكد لكن الأردن لم يعلق رسمياً أبداً.
في يوليو 2024 أعلن الأردن عن افتتاح أول مكتب اتصال لحلف الناتو في غرب آسيا. هذه خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً، لكنها أيضاً تظهر أن الأردن أصبح أداة في اللعبة الأمريكية الإسرائيلية، وليس طرفاً مستقلاً.
المفارقة الأكبر حدثت في يناير 2020 عندما كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن إسرائيل استخدمت الأجواء الأردنية لشن غارة جوية على أهداف الحشد الشعبي في العراق.
الحكومة الأردنية نفت، لكن المصادر الاستخباراتية أكدت التنسيق. هذا يعني أن الأردن أصبح شريكاً في حرب لا يريدها، وأن إسرائيل تتصرف وكأن الأراضي الأردنية جزء من مجالها الحيوي.
الاقتصاد – "مناطق التجارة الحرة" التي لم ترَ النور:
ما تنص عليه الاتفاقية: المادة 7 تتحدث عن إزالة الحواجز الاقتصادية وإنشاء مناطق تجارة حرة، والمادة 23 عن تطوير مشترك لمدينتي العقبة وإيلات.
ما ااذي حدث؟: المشاريع الاقتصادية المشتركة التي روجت لها الدعاية الإسرائيلية بقيت حبراً على ورق.
ومشروع "القناة الحمراء-الميتة" لتحلية المياه ما زال قيد الدراسة منذ 25 عاماً.
مشروع "جسر السلام" الذي يربط العقبة بإيلات لم يُبنَ بعد.
منطقة "جنين الصناعية" المشتركة تحولت إلى وكر لتهريب البضائع الإسرائيلية إلى السوق الأردني دون رسوم جمركية.
ما استفادته إسرائيل فعلاً هو فتح الأسواق الأردنية أمام منتجاتها الزراعية والصناعية، بينما المنتجات الأردنية تواجه عراقيل كبيرة لدخول إسرائيل.
الميزان التجاري بين البلدين يميل بشكل كبير لصالح إسرائيل.
ما بين السطور – "التفاهمات السرية" التي خنقت الأردن:
ما لم يُكتب في الاتفاقية ولم يُعلن أبداً هو وجود "بروتوكولات أمنية" إضافية، تشترط على الأردن:
1. إخطار إسرائيل مسبقاً بأي تحرك عسكري في المناطق الشرقية (قرب الحدود العراقية). هذا جعل الأردن غير قادر على الدفاع عن حدوده إلا بإذن إسرائيلي.
2. منع أي نشاط فلسطيني مسلح على أرضه، بما في ذلك التدريب أو جمع التبرعات. هذا أدى إلى اعتقال العشرات من النشطاء الفلسطينيين في الأردن وتسليمهم للسلطة الفلسطينية أو لإسرائيل.
3. الإبلاغ عن أي شخص يشتبه في أنه "إرهابي" يعبر من سوريا أو العراق، وتسليمه فوراً. هذا يجعل الأردن بوابة لاعتقال أي معارض عربي لإسرائيل.
حادثة عمان 1997 ومحاولة اغتيال مشعل – القشة التي قصمت ظهر الثقة:
في 25 سبتمبر 1997 اقتحم عميلان من الموساد الحي الدبلوماسي في عمان، وأوصل جهازاً ساماً إلى أنف خالد مشعل، قائد حماس في الأردن.
عندما قبض الحراس على العميلين، سادت فوضى عارمة. الملك حسين كان غاضباً لدرجة أنه هدد بإعدام العملاء إذا لم ترسل إسرائيل الترياق.
إسرائيل لا تحترم السيادة الأردنية حتى في العاصمة. العلاقات تدهورت بشدة، واستعاد الأردن سفيره بعد أسابيع فقط بوساطة أمريكية. لكن الحادثة تركت جرحاً عميقاً، وأظهرت أن "السلام" مع إسرائيل لا يعني الأمان.
وادي عربة – وعد قطعت إسرائيل بركابه:
بعد 30 عاماً يمكن القول إن اتفاقية وادي عربة كانت "اتفاقية خاسر".
الأردن لم يحصل على السلام الحقيقي، ولا على التنمية الاقتصادية، ولا على الاعتراف بحدوده. وإسرائيل حصلت على كل شيء:
حدود آمنة، مياه بسعر رخيص، مجال جوي مفتوح، وتنسيق أمني يخدم مصالحها.
اليوم القوى الشعبية في الأردن تطالب بإلغاء الاتفاقية أو تجميدها.
لكن الحكومة تعلم أن أي خطوة كهذه ستكون انتحاراً اقتصادياً وسياسياً.
العبرة التي لم يتعلمها الأردنيون هي أن "السلام" مع إسرائيل لا يمكن أن يكون عادلاً طالما أن الفلسطينيين لا يزالون تحت الاحتلال.
وإسرائيل تعاملت مع الأردن كخادم مطيع، وليس كشريك ندّ. والنتيجة:
أردن أضعف، وملكية مهددة، ومستقبل غامض.
🕳️