
















اهلا من خشبة الجلجثة إلى تلال الجليل: الصليب نورٌ يضيء طريق الرجاء
في القرن الرابع للميلاد، لم تكن القديسة هيلانة تبحث في أعماق أرض أورشليم عن مجرد أثرٍ تاريخي أو خشبةٍ عتيقة، بل كانت تنقب عن سرّ الخلاص ورمز الفداء الأبدي. كان اكتشاف الصليب المقدس إعلانًا لخروج النور من تحت ركام الظلمة، وتحول الأدوات التي كانت رمزًا للموت والآلام إلى بيارق للنصرة والسلام. واليوم، وبعد قرون طويلة، تتجدد تلك اللحظة التاريخية وتتجسد معانيها الروحية العميقة في قلب الجليل، لتعلن أن راية الصليب لا تزال تُرفع بفرسانه وأبنائه الذين يحملون الإيمان مشعلًا يضيء القلوب.
منذ عام 2000، أصبحت مسيرة عيد الصليب في أبرشية عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل تقليدًا إيمانيًا يعيد للذاكرة شعلة القديسة هيلانة. وفي قرية معليا العريقة، حيث تلتقي أصالة التاريخ بقدسية المكان، انطلقت المسيرة الدينية لهذا العام لتشكل ملحمة إيمانية إنسانية تجسد وحدة الجسد الواحد في المسيح.
فلم تكن تلك المسيرة مجرد موكب شعبي، بل كانت نهرًا يتدفق بالصلاة والرجاء، جمع بين جنباته أبناء البلدات والقرى والمدن، واكتملت روعته بحضور الأهل والمؤمنين القادمين من مناطق السلطة الفلسطينية، ولا سيما من مهد المسيح في بيت لحم وبيت ساحور. إن هذا الحضور يعكس الرمزية الكبرى للصليب؛ فهو اللوحة التي تذوب عندها الحدود والجغرافيا، والرباط الذي يجمع القلوب تحت ظله ليجسد مفهوم الكنيسة الجامعة التي لا تُحد.
بدأت الشعائر الروحية باحتفال صلاة الغروب داخل كنيسة السيدة العذراء في معليا، بمشاركة جليلة تقدمها صاحب السيادة المطران د. يوسف متى كلي الوقار، رئيس أساقفة عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل، وسيادة المطران رفيق نهرا كلي الاحترام، إلى جانب لفيف من كهنة الأبرشية والراهبات الفاضلات وجمهور غفير من المصلين وبمشاركة جوقة الكنيسة والمرنمين . ومع خروج المسيرة من ساحة الكنيسة، تقدمت المشهد سرية كشافة معليا بنظامها وعزفها الرائع، حيث سهر القادة والمدربون والعازفون وعملوا بجدهم لتستحيل إيقاعاتهم ونغماتهم إلى صلوات تُعزف على أوتار الإيمان.
سارت المسيرة يتقدمها حملة الشموع والصليب، في مشهد روحاني بديع؛ فالشمعة المشتعلة ترمز لنور المسيح الذي يبدد ظلمات الخوف، والصليب المرفوع هو بوصلة الخلاص وسط أمواج الحياة العاتية. وعلى جانبي الطريق، اصطف الجماهير في مشهد يجسد الاستعداد والانتظار الروحي وسط التصفيق والصلوات لاطفال سرية كشافة معليا واطفال صفوف الرابع المتقدمين للمناولة الاحتفالية في العام القادم مع المرشدات والمربيات ، وصولًا إلى ساحة المدرسة الابتدائية حيث أقيم الاستقبال الكبير وسط العرض الكشفي المميز.
وعلى المسرح، اعتلى قدس الأب مكاريوس قسيس كاهن رعية معليا ليفتتح الفقرة الخطابية بكلمات الترحيب والتقدير لكل القيادات الروحية والزمنية والحضور. وكانت الكلمات تحمل في طياتها بعدًا إيمانيًا ووطنيًا وإنسانيًا شاملاً؛ إذ ألقى رئيس المجلس المحلي المحامي إيليا حنا عبد كلمة رحب فيها بالحضور وأعرب عن شكره وامتنانه لهذه المشاركة الواسعة، مخصصًا بالتحية الأهل والضيوف الكرام من المدن والقرى الفلسطينية.
وفي وقفة تأمل روحية عميقة، ألقى سيادة المطران رفيق نهرا كلمة اختزلت المعنى الحقيقي لعيد الصليب في عصرنا الحالي؛ حيث ناشد الجميع بالوقوف محتمين بصليب يسوع المسيح والصمود بالإيمان في هذه الأوقات العصيبة التي تعصف ببلادنا وبالشرق الأوسط عامة. إن صليب المسيح لم يكن يومًا رمزًا للاستسلام، بل هو رمز للرجاء والقوة في أوقات المحن، والملاذ الذي يستمد منه المؤمنون ثباتهم وصمودهم.
وتوجت المناسبة بكلمة التقديس والاختتام من سيادة راعي الأبرشية المطران د. يوسف متى، الذي رفع الدعوات والصلوات إلى الرب الإله أن ينعم على الجميع بالعيش الكريم، والإيمان القويم بالرب يسوع، والسلام الذي تنشده القلوب. ليكون مسك الختام بكلمات الشكر التي وجهها قدس الأب مكاريوس قسيس للجميع، خص بها كل من تعب وسهر لإنجاح هذه المسيرة المباركة، وفي مقدمتهم المجلس المحلي برئاسة المحامي إيليا عبد، والمجلس الراعوي، وكل من قدم يد العون.
تهنئة وخير بركة من موقع "أهلاً":
ولأننا في موقع "أهلاً" نعتز دائمًا بنقل نبض أهلنا وتغطية هذا الإرث الروحي والاجتماعي العريق، فإن أسرة الموقع تتوجّه بأسمى آيات التهنئة والتبريكات المعطرة برائحة البخور والريحان إلى أهالي قرية معليا الحبيبة، وإلى جميع الرعايا والمؤمنين في كل القرى والبلدات والمدن التي تحتفل بهذا اليوم المبارك. نرفع صلواتنا مع صلواتكم ليكون صليب الخلاص درعًا يحمي بلادنا، ونورًا يزرع الطمأنينة والسلام في كل بيت، وكل عام وأنتم وأبناء رعاياكم بألف خير وبركة.
إن عيد رفع الصليب في معليا يرسخ حقيقة روحية خالدة: إن الصليب الذي رفعته القديسة هيلانة قديماً في أورشليم، ما زال يُرفع اليوم في قلوب المؤمنين وأفكارهم وأفعالهم. إنه رمز المحبة الشاملة، والسلام الذي ينبع من عمق الآلام، والدعوة الدائمة للثبات على أرض الإيمان والمحبة مهما عظمت التحديات.






















































































































































































































































































































