
















اهلا مَن يختار القضاة؟ سؤال التمثيل والعدالة
احتفينا قبل أسبوع في «حيفا تجمعنا» بتنصيب القضاة والمسجّلين القضائيين العرب. وبعد التهنئة، يبقى السؤال: كيف يتحوّل وصول الكفاءات إلى طريق يتّسع للأجيال القادمة؟
توضح الأرقام أهمية السؤال. فقد ضمّت دفعة التنصيب تسعة قضاة ومسجّلين قضائيين عرب من أصل ٧٩، أي ١١٫٤٪. أما تقرير الكنيست لعام ٢٠٢٣، فأظهر أن غير اليهود، بحسب تصنيفه، شكّلوا نحو ٩٪ من مجموع القضاة، مقابل حصة للسكان العرب قاربت الخُمس. وتشير المقارنة التقريبية إلى تمثيل يقلّ عن نصف الحصة السكانية.
معالجة هذه الفجوة هي جوهر مبدأ التمثيل الملائم: خطوات فعلية تتيح للكفاءات فرصًا عادلة للوصول والتقدّم. وقد أسهم "الاجتهاد القضائي" في تطوير هذا المبدأ، ما يعزّز المطالبة بتجسيده داخل المؤسسة القضائية نفسها.
وزيادة التمثيل وحدها لا تضمن عدالة المؤسسة، ولا تختصر الأسئلة الأوسع حول حماية الحقوق والمساواة والوصول إلى العدالة. لكنها جزء من الإصلاح المطلوب. والقاضي العربي مؤتمن على حقوق الجميع؛ فعدالة الوصول إلى منصّته تنسجم مع استقلال أحكامه.
وفرص الوصول تتأثّر بمَن يشارك في الاختيار.
لهذا ثمّنّا الدور المهني للمحامي محمد نعامنة، رئيس لواء الشمال في نقابة المحامين وعضو لجنة اختيار القضاة. فأهمية موقعه تتجاوز الشخص إلى مشاركة عربية في تقييم الكفاءات ومناقشة التعيينات، مع بقاء عدالة التمثيل مسؤولية المؤسسة بأكملها.
لكن تعديلات عام ٢٠٢٥، المقرّر تطبيق تغييرها الأساسي مع بداية ولاية الكنيست السادسة والعشرين، تستبدل ممثّلَي نقابة المحامين بممثّلَين قانونيَّين تختارهما كتل الائتلاف والمعارضة. وبذلك تُلغي مسارًا أتاح حضورًا عربيًا، دون ضمان استمراره.
تقاسم المقاعد بين الائتلاف والمعارضة لا يضمن تمثيل المجتمع العربي.
ويتجاوز التغيير تركيب اللجنة إلى طريقة اتخاذ القرار. ففي محاكم الصلح والمركزية، يشترط النظام الجديد أغلبية تشمل قاضيًا وممثّلًا عن كلّ من الائتلاف والمعارضة، فيمنح الطرفين السياسيين قدرة على منع التعيين. وهذا يثير خشية من تأثير حسابات التعيين والترقية في استقلال القاضي حين يفصل في حرية إنسان أو حقوقه أمام السلطة.
ويكتسب النقاش أهمية إضافية مع محاولات شطب مرشّحين وأحزاب عربية من الترشّح للكنيست، التي لم تُحسم بعد. ورغم اختلاف المسارين، فإنهما يلتقيان عند سؤال المشاركة العربية في مؤسسات صنع القرار، ويبرزان أهمية قضاء مستقل يحمي المساواة والحقوق السياسية، ومنها الحق في الترشّح والانتخاب.
هنا يلتقي سؤال التمثيل بسؤال الاستقلال: كيف نوسّع فرص الوصول إلى القضاء، ونصون استقلال مَن يصل إليه؟ فمواجهة التعديلات تقترن بمعالجة نقص التمثيل السابق لها، إلى جانب أوجه الخلل الأخرى في المؤسسة.
ومن هنا تأتي مساءلة التيارات السياسية التي ترفع شعار الدفاع عن استقلال القضاء، في الخطاب العام والنقاش الانتخابي: ما سجلّها في تحقيق المساواة، وما التزاماتها التشريعية بمعالجة نقص التمثيل؟
فالوضع السابق لم يحقّق التمثيل المنشود، وأرى أن التعديلات ستعمّق الفجوة. لذلك، ينبغي أن يقترن الدفاع عن استقلال المؤسسة بالتزام بإصلاح أوجه الخلل فيها.
ولكي تتجاوز المساءلة الشعارات، نحتاج إلى ضمانات قانونية وخطوات يمكن متابعة تنفيذها. وفي مسألة التمثيل، أقترح تشريعًا صريحًا يُلزم بالعمل لتحقيق التمثيل الملائم للعرب في مختلف درجات القضاء، ويضمن حضورًا عربيًا في لجنة الاختيار.
ويُترجم هذا الالتزام إلى أهداف مرحلية ومواعيد واضحة، وبيانات سنوية منشورة تتيح مساءلة الجهات المسؤولة عن النتائج.
ويشمل التنفيذ تشجيع الكفاءات على الترشّح، وإتاحة التأهيل المهني، وإزالة الحواجز غير المبرّرة أمام الاختيار والترقية، واتّخاذ إجراءات تصحيح عند تعثّر التقدّم؛ مع صون الكفاءة واستقلال القضاء وخصوصية المرشّحين.
بالنسبة إلينا، كعرب فلسطينيين في وطننا، هذه قضية مساواة ومشاركة في مؤسسات تؤثّر في حياتنا ومستقبل أبنائنا.
نعتزّ بمن وصلوا، ونطالب بضمانات لمن سيأتون بعدهم. فالمساواة التي يحميها القضاء ينبغي أن تظهر أيضًا في الطريق إلى منصّته.