
















اهلا- حين يصبح الاسم بلا وزن… وتغدو «ما بعرف» موقفًا سياسيًا
بقلم: المهندس غسان جابر
في برنامجه الجماهيري الناجح «إجبد»، خرج الإعلامي المتميز رياض خميس إلى شوارع مدينة الخليل، لا ليبحث عن مادة ترفيهية، ولا ليُوقع الناس في فخ الأسئلة الصعبة، بل ليسأل أسئلة يفترض أنها من بديهيات الحياة العامة.
أسئلة لا تحتاج ثقافة موسوعية ولا انتماءً حزبيًا، فقط علاقة طبيعية بين المواطن ومن يحكمه:
من هو وزير العمل؟
من هو وزير التنمية الاجتماعية؟
من هو وزير المالية؟
من هو وزير المواصلات أو التخطيط؟
الإجابة جاءت واحدة، متكررة، شبه جماعية: «ما بعرف».
اللافت في المشهد لم يكن الجواب بحد ذاته، بل طريقته. لم يُقل بتوتر، ولا باعتذار، ولا حتى بابتسامة خجل. قيل بهدوء كامل، كأنه حقيقة مستقرة، كأن السؤال نفسه جاء من عالم آخر لا يمس حياة الناس. هنا، تحديدًا، لا نكون أمام مشكلة ذاكرة، بل أمام انهيار علاقة.
ففي المجتمعات الحيّة، يُعرف الوزير لأنه يُسأل، ويُنتقد، ويُحاسب. أما حين يتحول إلى اسم عابر، فذلك لأن موقعه في وعي الناس أصبح هامشيًا. المواطن لا يحفظ أسماء من لا يرى أثرهم، ولا يهتم بمن لا يشعر بوجودهم إلا عند صدور قرار يزيد العبء ولا يخففه.
السؤال الأهم ليس لماذا لا يعرف الناس أسماء الوزراء، بل لماذا لم يعد هذا الجهل يزعجهم.
متى تحوّلت المعرفة السياسية من حق وواجب إلى ترف لا معنى له؟ ومتى قرر المواطن، وبدون إعلان، أن ينسحب نفسيًا من الشأن العام، تاركًا إياه يدور في حلقة مغلقة؟
ولو أن رياض خميس قرر توسيع الدائرة قليلًا، لكان المشهد أكثر اكتمالًا وأكثر وجعًا. لو سأل عن أسماء من يتصدرون الخطاب السياسي. عن عناوين القوى السياسية التي تملأ البيانات وتخاطب الشعب باسمه. عن تلك التي يُفترض أنها تمثل، وتدافع، وتؤطر الغضب والأمل معًا.
النتيجة، على الأرجح، لن تختلف كثيرًا.
الفراغ ذاته.
التردد ذاته.
و«ما بعرف» أخرى، ربما أقل عفوية وأكثر دلالة.
وهنا، لا يمكن اتهام الناس بالجهل أو اللامبالاة.
ما نشهده هو نوع من الاحتجاج الصامت. فحين تتكاثر الأسماء وتغيب الأفعال، وحين يعلو الخطاب وتضيق الحياة، يصبح نسيان الأسماء آلية دفاع نفسي.
الناس تختار أن لا تحفظ ما لا يغير واقعها، وأن لا تستهلك طاقتها في تتبع من لا يتتبع همومها.
في زمن سابق، كانت الأسماء السياسية تُحفر في الذاكرة لأنها كانت مرتبطة بالفعل، بالتضحية، بالموقف الواضح. اليوم، صارت الأسماء كثيرة إلى حد التلاشي، متشابهة إلى حد الملل، لا يفرق بينها المواطن لأنها لا تفرق في حياته شيئًا.
المفارقة القاسية أن السياسة ما زالت تُدار باسمه، وتُبرر به، وتُخاطبه نظريًا، لكنه عمليًا خارج المعادلة. حاضر في الخطب، غائب في القرار. مطلوب للتصفيق أو الصبر، لا للشراكة أو المساءلة.
ما فعله رياض خميس لم يكن فقرة خفيفة في برنامج جماهيري، بل كشف لحظة صدق نادرة. الكاميرا لم تُحرج الناس، بل التقطت المسافة.
المسافة بين من يتحدثون كثيرًا، ومن لم يعودوا يسمعون.
وحين يصل مجتمع كامل إلى مرحلة أن يقول «ما بعرف» بلا غضب، فهذه ليست علامة جهل، بل علامة إنهاك. إنهاك من أسماء لا تأتي بخبز، ولا بعدالة، ولا بكرامة. إنهاك من سياسة لا تُرى إلا حين تُثقِل الكاهل.
هنا، تتحول «ما بعرف» من إجابة إلى موقف.
موقف هادئ، ساخر، حزين. موقف يقول كل ما لا يُقال:
لسنا ضد المعرفة…
نحن فقط لم نعد نرى فيها معنى.
وهذا، في ذاته، أخطر ما وصلنا إليه.
م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.